منذ منتصف القرن التاسع عشر تحول كوكب المريخ من نقطة صغيرة حمراء في السماء إلى واحد من أشهر "المسارح" في الرواية العالمية، حتى قدر باحثون عدد الأعمال السردية التي تناولته بالآلاف، مع تغير صورة الكوكب من "عالم متخيل تسكنه حضارات متقدمة" إلى "مستعمرة بشرية محتملة".
البداية الحديثة تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما أعلن الفلكي الإيطالي جيوفاني شياباريلي رصده لخطوط على سطح المريخ سماها "canali"، فترجمت في الصحافة إلى "قنوات" وربطها الفلكي الأميركي بيرسيفال لويل بفكرة حضارة مريخية متقدمة شقت قنوات لري كوكب يحتضر. هذه التصوّرات تسللت سريعًا إلى الخيال الروائي، فظهرت أعمال مبكرة مثل رواية "Across the Zodiac" (1880) لبرسي جريغ التي قدمت المريخ كعالم أقدم وأكثر نضجًا من الأرض، ومجموعة من الروايات الطوباوية التي تتخيل مجتمعات مثالية على الكوكب الأحمر.
الانعطافة الكبرى جاءت مع الروائي الإنجليزي الشهير هربرت جورج ويلز في روايته "حرب العوالم" (1898)، حيث يظهر المريخ لأول مرة في الرواية الحديثة بوصفه قاعدة لكائنات أعلى ذكاءً وتقنية تشن غزوًا شاملاً للأرض.
يصوّر ويلز المريخ ككوكب عجوز استنفد موارده، فيبحث سكانه عن عالم بديل هو كوكبنا، في استعارة واضحة لعنف الاستعمار الأوروبي في زمنه، كما تشير تحليلات نقدية معاصرة صادرة عن موسوعة "بريتانيكا" ودراسات متخصصة في الرواية العلمية
هذه الصورة "العدائية" للمريخ، ككوكب الحرب والتهديد، صنعت نموذج "المريخي الغازي" الذي تكرر لاحقًا في أعمال كثيرة، وأصبح جزءًا من قاموس الخيال العلمي الشعبي
مع مطلع القرن العشرين، نقل الأميركي إدجار رايس بوروز المريخ من صورة الكابوس إلى فضاء المغامرة. في روايته "أميرة المريخ" (1912)، أول أجزاء سلسلة "بارسوم"، يظهر الكوكب باسم جديد وعالم مليء بالقبائل والوحوش والمدن الطائرة، في مزيج من الفانتازيا والسيف والرومانسية.
تدور الحكاية حول الجندي الأميركي جون كارتر الذي يجد نفسه على سطح المريخ، يتمتع بقوة بدنية خارقة بفضل اختلاف الجاذبية، ويخوض مغامرات لإنقاذ الأميرة "ديجا ثوريس ".
في منتصف القرن العشرين أعاد الأميركي راي برادبري تعريف صورة المريخ في كتابه الشهير "سجلات المريخ" (1950)، وهو عمل مركب من قصص قصيرة مترابطة عن محاولات الأميركيين استعمار الكوكب الأحمر، بينما تعاني الأرض من حروب نووية وعنصرية وانهيارات أخلاقية .
لا يتعامل برادبري مع المريخ ككوكب "واقعي" بالمعنى العلمي؛ فالغلاف الجوي قابل للتنفس، والحضارة المريخية شاعرية وغامضة، لكن النقاد يشيرون إلى أن المريخ لديه هو "مرآة" تعكس مخاوف القرن العشرين: الاستعمار، الإبادة الثقافية، عنف العنصرية، وهواجس الفناء النووي، كما توضح قراءات جامعية حديثة للعمل.
مع تطور المعرفة العلمية عن الكوكب عبر بعثات "مارينر" و"فايكنغ" و"فوينكس"، بدأ الخيال الروائي يقترب من "المريخ الحقيقي". في تسعينيات القرن العشرين قدّم الكاتب الأميركي كيم ستانلي روبنسون واحدة من أهم صور المريخ الواقعية في ثلاثيته الشهيرة "المريخ الأحمر"، "المريخ الأخضر"، "المريخ الأزرق".
تتبع الثلاثية، كما توضح الموسوعات الأدبية ومراجعات القرّاء، مشروع استيطان الكوكب وتحويره (Terraforming) على مدى نحو قرنين، عبر شخصيات من العلماء والمهندسين والسياسيين، في مرآة لصراعات البيئة والاقتصاد والسلطة على الأرض. يتحول المريخ هنا إلى "مختبر اجتماعي" تُختبر فيه نماذج الحكم والعدالة البيئية وأنماط العيش الجديدة.
في العقد الأخير عاد المريخ بقوة إلى واجهة الثقافة الشعبية مع رواية "المريخي" للكاتب آندي وير، التي صدرت عام 2011وأصبحت لاحقًا فيلمًا سينمائيًا واسع الانتشار. تحكي الرواية قصة رائد الفضاء مارك واتني الذي يترك وحيدًا على سطح المريخ بعد عاصفة رملية، فيخوض "حرب بقاء" باستخدام معرفته بالهندسة والفيزياء والزراعة لتأمين الغذاء والماء والاتصال.