تجذّرت الأمثال الشعبية كحِكَم يومية على ألسنة الناس عبر عقود طويلة، حتى أصبحت لازمة في أحاديثهم ودلالة على المواقف المختلفة. ومع مرور الوقت صارت تلك الأمثال جزءًا من التراث الشعبي الذي حُفر في الذاكرة الجماعية، وبدا الأمر طبيعيًا؛ إذ نشأت من تجارب حياتية متنوّعة المعاني والتصورات والمعتقدات التي تشكّلت عبر مراحل تطوّر الفكر البشري. بعضُها حمل طابع الحكمة والموعظة، وبعضها اعتمد القافية والسجع، حتى بدت تركيبات لغوية أقرب إلى الجمل الأدبية.
لكن مع الزمن، ومع التطور التكنولوجي الكبير، وتراجع الكثير من عناصر التراث الشعبي، خفّ حضور الأمثال الشعبية، وابتعدت عنها الأجيال الجديدة. ومع تطور وسائل الاتصال وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، انحسرت هذه الأقوال بشكل ملحوظ. كما أثرت طبيعة الحديث في تلك المنصات على الإيجاز والبعد عن التعبير اللفظي المطوّل، بل ومع بروز قوة الصورة، قلّ استخدام الكلمة نفسها.
ومع هذا التراجع الكبير في تداول الأمثال الشعبية، ظهرت روافد أخرى لتحل محلها في التعبير، مثل الشعر وكلمات الأغاني والجمل الحوارية في الأفلام، ومع انتشار ما يُعرف بـ “الكوميكس”، أصبحت قفشات الأفلام لازمة يومية أكثر من الأمثال الشعبية، واتجه الشباب وروّاد تلك المواقع إلى استخدام الجمل الحوارية في الأفلام كحِكَم معبرة عن حياتهم وقضاياهم. فنجد عبارات مثل: “بلد بتاعت شهادات صحيح” التي قالها الزعيم عادل إمام في مسرحية “أنا وهو وهي”، تُقال اليوم للدلالة على المواقف المرتبطة بالتعليم والتوظيف بشكل ساخر، وغيرها الكثير.
لا شك أن بعض الكتّاب وكتّاب السيناريو تأثروا بالأدب الشعبي، وانعكس ذلك على صياغتهم للجمل الحوارية التي حملت شيئًا من روح الفن الشعبي والثقافة الشعبية بشكل عام، لكن هذا الانحسار لعنصر مهم من عناصر التراث الشعبي، وتراجعه بشكل ملحوظ لدى الأجيال الجديدة، ومع الثورة الرقمية التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين، يطرح تساؤلات مهمة: هل يؤثر ذلك على إنتاج الثقافة الجماعية ويُضعف حضورها؟ وهل يعزّز من قوة الفردانية حتى في المكوّن الإبداعي؟ وهل نحن بصدد خسارة رافد مهم من روافد الأدب الشعبي كان حاضرًا ومؤثرًا في تشكيل الوعي والثقافة الشعبية؟