تؤكد معظم المراجع المتخصصة فى تاريخ النشر العالمى على أن رواية "دون كيخوتي" للكاتب الإسبانى ميجيل دى ثربانتس هى أكثر رواية طُبعت وبيعت فى التاريخ، باستثناء الكتب الدينية، وبحسب تقديرات موثقة – من بينها إشارات "موسوعة جينيس للأرقام القياسية" وقوائم الكتب الأعلى مبيعًا عالميًا – يُعتقد أن الرواية تجاوزت حاجز 500 مليون نسخة منذ صدور جزئها الأول مطلع القرن السابع عشر وحتى اليوم.
صدرت رواية "دون كيخوتي" فى جزئين، الأول عام 1605 والثانى عام 1615، فى زمن كانت الطباعة فيه ما تزال فنًا جديدًا نسبيًا، لكن الرواية سرعان ما انتشرت خارج إسبانيا، فطُبعت طبعات متتالية فى مدريد ولشبونة وفالنسيا وبروكسل، ثم تُرجمت خلال عقود قليلة إلى لغات أوروبية أخرى، قبل أن تمتد فى القرون اللاحقة إلى أكثر من 140 لغة حول العالم، ما رسَّخ حضورها كواحدة من أكثر الأعمال الأدبية تداولًا فى التاريخ.
تدور الرواية حول نبيل إسبانى مهووس بقراءة كتب الفروسية، يقرر أن يصبح فارسًا جوالًا يدافع عن المظلومين، فينطلق رفقة تابعه سانشو بانثا فى سلسلة من المغامرات التى تمتزج فيها المثالية بالسذاجة، والحلم بالواقع، فى مزيج كوميدى عميق فتح الباب مبكرًا أمام الرواية الحديثة لتفكك أوهام الإنسان عن نفسه والعالم، وقد تحولت شخصية "دون كيخوتي" إلى أيقونة ثقافية ترمز لمن يواجه "طواحين الهواء"، أى الأعداء المتخيلين والأحلام المستحيلة.
أهمية "دون كيخوتي" لا تتوقف عند أرقام التوزيع والطباعة، بل تمتد إلى تأثيرها فى تطوّر فن الرواية نفسه، إذ يعتبرها كثير من النقاد أول رواية حديثة بالمعنى الفني، من حيث تعدد الأصوات، وبناء الشخصية، والتناص مع النصوص السابقة، والسخرية من القوالب الجاهزة، ولهذا تحضر الرواية اليوم فى مناهج الجامعات، وتُستعاد شخصياتها فى المسرح والسينما والتلفزيون، وتُوظَّف رموزها فى الخطاب الثقافى والسياسى المعاصر.
ورغم ظهور عناوين حديثة حققت مبيعات هائلة مثل "هارى بوتر" و"شيفرة دافنشي"، فإن الفارق الزمنى الممتد لأكثر من أربعة قرون لصالح "دون كيخوتي"، إلى جانب استمرار طباعتها فى طبعات شعبية وأكاديمية، جعلها تحافظ على لقب "أكثر رواية طُبِعت فى التاريخ"، فى تصنيف يضع جانبًا الكتب الدينية وكتب الشعارات السياسية الجماهيرية مثل "الكتاب الأحمر الصغير".