أطلق الجهاز القومى للتنسيق الحضارى، برئاسة المهندس محمد أبو سعدة، مبادرة بعنوان "إنتو أصل الحكاية"، وهى مبادرة تهدف إلى تقديم "تفصيلة فى صورة" تعرض أسبوعيًا، حيث يتم نشر صورٍ لمبانٍ تراثية من قلب مصر، مع سرد قصتها واسترجاع لحظة من لحظات الزمن الجميل، ليصبح الحنين وعيًا، ويتحول الوعى إلى التزام، وفى إطار المبادرة، شارك الجهاز القومى للتنسيق الحضارى عبر صفحته الرسمية على موقع "فيس بوك"، صور من محطة سكة حديد طنطا.
منذ أن دقت أول عجلات القطار أرض مصر عام 1854 بين الإسكندرية وكفر الزيات، بدأت قصة عشق بين المصريين والحديد والنار، وبين المدن التي تنبض بالحركة والتجارة والعمران، لم تكن محطات السكك الحديدية مجرد نقاط عبور، بل كانت بوابات للمدن وروحها الحديثة، تتقاطع عندها قصص الناس وتتشابك فيها خيوط التاريخ والمعمار.
ومن بين تلك المحطات التي حملت عبق الزمن وتاريخ التحول الحضاري في دلتا النيل، تبرز محطة سكة حديد طنطا كإحدى أبرز المحطات ذات الطابع المعماري المميز، تجمع بين عراقة التصميم وخصوصية الموقع ودورها المركزي في شبكة السكك الحديدية المصرية.

محطة سكة حديد طنطا
النشأة والتاريخ
أُنشئت محطة طنطا في أواخر القرن التاسع عشر، ضمن توسعات مصلحة السكك الحديدية المصرية التي امتدت شمالًا وجنوبًا بعد افتتاح الخط الرئيسي بين القاهرة والإسكندرية. ومع ازدهار مدينة طنطا في فترة حكم الخديوي توفيق (1879–1892م)، برزت الحاجة إلى محطة تعكس أهمية المدينة كمركز إداري وتجاري وديني في قلب الدلتا.
تشير الوثائق إلى أن الهيئة العامة للسكك الحديدية المصرية كانت هي الجهة المنفذة، بالتعاون مع شركات هندسية إنجليزية وفرنسية ساهمت في التصميمات الإنشائية العامة.
أما الطابع المعماري العام للمبنى فيعود إلى المدرسة الكلاسيكية الممزوجة بالطراز الفيكتوري المتأخر الذي ساد في محطات مصر الكبرى مثل محطتي القاهرة (رمسيس) والإسكندرية.
المعماري والكيان المنفذ
ورغم غياب توثيق مباشر باسم المهندس المصمم، فإن النمط المعماري والمواد والأسلوب يشير إلى تأثيرات واضحة من مدرسة المهندس البريطاني ج. هـ. شيفيلد (J.H. Sheffield) الذي صمم محطات سكك حديدية في الدلتا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر لصالح الحكومة المصرية.
أما التنفيذ فتم بواسطة مصلحة الأشغال العمومية، بالتعاون مع شركات مقاولات إنجليزية كانت تتولى أعمال الحديد والهيكل الإنشائي، في حين نفّذ البناؤون المحليون أعمال الطوب والحجر والزخارف الجصية تحت إشراف مهندسين مصريين من خريجي مدرسة المهندسخانة.
التحليل المعماري للمبنى
تتميز محطة طنطا بواجهتها الرئيسية الممتدة على محور أفقي ذي تماثل صارم، يعلوه كورنيش زخرفي من الجص، وتبرز في منتصفها كتلة مدخل رئيسية مقبّبة ذات طابع كلاسيكي واضح.
تقوم الواجهة على إيقاع من العقود نصف الدائرية والنوافذ المستطيلة المزخرفة بإطارات من الحجر الجيري المصقول، أما المسقط الأفقي فيتخذ شكل حرف E، بحيث تمتد صالات الركاب على المحور الأوسط وتتوزع المكاتب الإدارية إلى الجانبين، بينما تنفتح الصالة الكبرى على الأرصفة عبر أبواب زجاجية ضخمة كانت تُعدّ من أرقى تقنيات البناء في زمنها.
من حيث الطراز، يمكن تصنيف المحطة ضمن الطراز الكلاسيكي الجديد (Neo-Classical) ذي التأثير الأوروبي، مع لمسات زخرفية تتناغم مع البيئة المصرية، مثل استخدام النوافذ العالية للتهوية والإضاءة الطبيعية، وتوظيف اللون الرملي والأبيض في الواجهات بما ينسجم مع ضوء الدلتا الساطع.

محطة سكة حديد طنطا
مراحل الترميم والتطوير
مشروع تطوير 2009
في إطار جهود الجهاز القومي للتنسيق الحضاري للحفاظ على المباني ذات الطابع المعماري المميز، خضعت محطة طنطا عام 2009م لعملية ترميم جزئي شملت إعادة تأهيل الواجهة التاريخية وتنظيف عناصرها الزخرفية ومعالجة التآكل في القباب المعدنية والمظلات، بالتنسيق بين وزارة النقل ومحافظة الغربية.
استهدف المشروع وقتها الحفاظ على الهوية البصرية الأصلية للمبنى وإعادته إلى رونقه المعماري دون المساس بتكوينه التاريخي.
مشروع تطوير 2020
وفي عام 2020م شهدت المحطة نقلة نوعية ضمن خطة وزارة النقل لتحديث البنية التحتية للسكك الحديدية ونفذت المحافظة مشروع التطوير الذي وضعه الجهاز القومي للتنسيق الحضاري للميدان ومحطة قطار طنطا التراثية التي تم التعامل معها طبقا لاسس ومعايير التنسيق الحضاري للحفاظ على التراث الحضاري والمعماري، حيث تم إعادة صياغة الفراغ العام بالميدان ، وتنسيق حركة المشاة والحركه المرورية ، وكذلك التشجير و الإنارة و أعمال الرصف وتطوير كافة عناصر فرش الفراغ العام للميدان، وازاله التعديات حول محطة القطار التراثية وإعادتها لسابق عهدها ، كما تم الأخذ في الاعتبار تنظيم أكشاك البيع بالميدان و المحطة وتطويرها بشكل حضاري يعود بالنفع على أصحابها ومتلقي الخدمة منها ، وراعى مشروع التطوير رفع القيمة الجمالية والحضارية للميدان و المحطة بما يحقق عائد اقتصادي، وقيمة حضارية ويأتي ذلك في إطار خطة الجهاز لرفع كفاءة الميادين على مستوى محافظات الجمهورية
كما تضمن المشروع الجانب التقني والفني للبنيه التحتيه و أعمال رفع كفاءة الأرصفة والمظلات ونظم الإشارات، وتجديد البهو الداخلي، وتحديث الخدمات الذكية للركاب، مع إعادة دهان الواجهات وفقًا لمعايير التنسيق الحضاري للحفاظ على الطابع التراثي المسجَّل للمبنى.
جاء التطوير كجزء من رؤية الدولة لتوحيد صورة محطات السكك الحديدية المصرية بما يليق بمكانتها التاريخية والجمالية، وربط الأصالة بالحداثة.
وجدير بالذكر، أن محطة سكة حديد طنطا ليست مجرد مبنى للنقل، بل هي وثيقة معمارية وإنسانية تختصر مسيرة الحداثة المصرية في شريانها الحديدي الأقدم في إفريقيا والشرق الأوسط.في تفاصيلها نقرأ فلسفة معمارية جمعت بين الدقة الأوروبية والذوق المصري، وفي حضورها اليومي نستشعر استمرارية التاريخ في صيغته الحية، حيث تتعانق العراقة مع التطوير في مشهد يعكس جوهر القاهرة الكبرى في أبهى صورها الإقليمية.