الساحر الفرعونى شق الماء.. بردية ويستكار تكشف أقدم معجزة لفلق البحر

الجمعة، 21 نوفمبر 2025 05:00 م
الساحر الفرعونى شق الماء.. بردية ويستكار تكشف أقدم معجزة لفلق البحر بردية ويستكار

أحمد إبراهيم الشريف

تحتفظ بردية "وستكار" أو "خوفو والسحرة" بواحدة من أكثر الحكايات سحرًا فى الأدب المصرى القديم؛ حكاية الساحر الذى شقّ الماء أمام ملك من ملوك مصر، قبل آلاف السنين من تدوين القصص الدينية المعروفة عن "فلق البحر".

هذه البردية، المحفوظة اليوم فى المتحف المصرى ببرلين تحت رقم بردية برلين 3033، تُؤرخ عادة إلى عصر الهكسوس، بينما تدور حكاياتها فى زمن الأسرة الرابعة، فى بلاط الملك خوفو. 

ماذا تتضمن البردية؟

تتضمن بردية وستكار خمس قصص عن معجزات وخوارق، يرويها أبناء الملك خوفو فى مجلس أبيهم للتسلية والإبهار، فى كل قصة يظهر كاهن أو ساحر أو كاهن يمتلك قدرات خارقة، من إحياء أجزاء من جسد حيوان إلى التنبؤ بميلاد ملوك جدد، لكن الحكاية الأشهر عند القارئ المعاصر هى قصة الملك سنفرو والساحر الذى شق مياه البحيرة. 

تبدأ القصة – كما تروى البردية – بملك حزين وملول، سنفرو، أحد ملوك الأسرة الرابعة، يجوب أرجاء قصره بحثًا عن ما يبدد شعوره بالضجر، ينصحه كبير الكهنة و"كاتب الكتب" دجادجا أمنخ بالخروج فى نزهة نيلية على بحيرة القصر، على أن ترافق الملك مجموعة من أجمل فتيات الحاشية، يجد فى مشهدهن وهن يجدفن ما يُدخل السرور على قلبه، يستجيب الملك للنصيحة، ويُعِد عشرين مجدافًا من الأبنوس المرصع بالذهب، وتصعد الفتيات إلى المركب فى مشهد احتفالى كما تصفه الترجمة الحديثة للنص. 

وأثناء الرحلة تسقط قلادة على هيئة سمكة، مصنوعة من الفيروز أو الملاخيت، كانت تعلقها إحدى الفتيات حول عنقها، فتغوص فى مياه البحيرة. تتوقف الفتاة عن التجديف، ويختل إيقاع الرحلة، فيسألها الملك عن السبب، فتخبره بما حدث وتُصر على استعادة حليّتها الأصلية، رافضة أن تستبدلها بهدية من كنوز القصر. يعرض سنفرو تعويضها بأفضل مما فقدت، لكنها تجيب – كما ينقل النص – بأنها "تفضِّل ملكيتها الخاصة على أى بديل" .

عند هذه النقطة يعود الملك إلى مستشاره الساحر دجادجا أمنخ طالبًا الحل، يتلفظ الكاهن بتعويذة سرية، فتتحرك مياه البحيرة انصياعًا لسحره، وينشق الماء إلى نصفين، يوضع أحد جانبي البحيرة فوق الآخر، فيجف القاع فى الجزء المقابل، بينما يتضاعف عمق الماء فى الجانب الآخر من اثنى عشر ذراعًا إلى أربعة وعشرين ذراعًا، وفقًا للتعبير القديم، يمشى الساحر على أرض البحيرة الجافة، يعثر على القلادة وهى مستقرّة فوق شقفة من الفخار، ويعيدها إلى صاحبتها، ثم يطلق تعويذة أخرى تعيد المياه إلى موضعها الأول. يقضى الملك بقية اليوم فى احتفال مبهج، ويغدق الهبات على الساحر شكرًا له على "شق الماء" واستعادة سرور البلاط.  

هذه الحكاية، التى تبدو للوهلة الأولى "قصة ترفيهية" تُحكى فى مجلس ملك، تحولت فى القراءات الحديثة إلى مادة جدل واسع، إذ يرى بعض الكتّاب غير المتخصصين أن فيها "أصلًا مصريًا" لفكرة انشقاق البحر، بينما يتعامل الباحثون فى الأدب المصرى القديم مع بردية وستكار بوصفها نصًا أدبيًا تخييليًا يُجسّد إيمان المصريين بقوة الكلمة والسحر وقدرة الكاهن على السيطرة على عناصر الطبيعة، لا باعتبارها سجلًا تاريخيًا لواقعة محددة. 

وتكتسب بردية وستكار أهميتها – إلى جانب حكاية شقّ الماء – من كونها تقدم واحدة من أقدم الصور الأدبية لشخصية "الساحر المصرى" فى الثقافة الإنسانية؛ رجل دين وعلم ومعرفة بالنصوص المقدسة، يستخدم قوة اللغة والتعاويذ لإعادة النظام إلى العالم من حوله، فيعيد الحياة إلى ما تمزق، ويعيد الماء إلى مجراه، ويمنح الملك ما يحتاجه من دهشة وانبهار ليُثبِّت سلطانه ويُسلى مجلسه. لذلك لا يتوقف حضور هذه البردية عند قاعة العرض فى برلين، بل يمتد إلى مقالات وكتب وأفلام وثائقية تُعيد قراءة "خوفو والسحرة" باعتبارها مرآة مبكرة لخيال المصري القديم وفلسفته فى فهم الطبيعة وما وراءها. 

النسخة الباقية من البردية تتكون من اثنى عشر لفافة، وقد كتبت فى حقبة الهكسوس، لكن يعتقد أن جزءًا منها كتب فى عصر الأسرة الثانية عشر، واستخدمت هذه البردية من قبل المؤرخين كمصدر أدبى للتأريخ للأسرة الرابعة.

وفى عام 1839 قدم هنرى وستكار البردية إلى عالم المصريات "كارل ريتشارد بسيوس"، الذى لم يتمكن مع ذلك من فك طلاسم النص، إلى أن استطاع "أدولف إيرمان" فكها فى عام 1890، والبردية معروضة الآن فى إضاءة خافتة فى متحف برلين المصرى.

بردية ويستكار
بردية ويستكار



 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة