الطيب والمنافق واليهودى المرابى.. حكايات شيخ الممثلين حسن البارودى.. صديق أم كلثوم الذى خالف وصية سعد زغلول.. حفظ القرآن ووصل للعالمية وأصيب باكتئاب بسبب خطاب المعاش.. واستمر عطاؤه الفنى رغم فقد البصر

الأربعاء، 19 نوفمبر 2025 08:38 م
الطيب والمنافق واليهودى المرابى.. حكايات شيخ الممثلين حسن البارودى.. صديق أم كلثوم الذى خالف وصية سعد زغلول.. حفظ القرآن ووصل للعالمية وأصيب باكتئاب بسبب خطاب المعاش.. واستمر عطاؤه الفنى رغم فقد البصر الفنان الراحل حسن البارودى

كتبت زينب عبداللاه

يمر اليوم 127 عاماً على ميلاد الفنان الكبير الفنان حسن البارودى الملقب بشيخ الممثلين، الذى ولد في مثل هذا اليوم الموافق 19 نوفمبر عام 1898، ليصبح أحد عمالقة الفن الكبار ورواده الذين صنعوا تاريخاً فنياً عظيماً وأعمالاً خالدة راسخة في وجدان الملايين، ولم تقف عظمة فنه وأدائه على المستوى المحلى، بل شارك في عدد من الأعمال العالمية.

فبالرغم من أن الفنان الكبير لم يحتل أدوار البطولة المطلقة في معظم أدواره، إلا أنه كان بطلاً ونجماً في كل أدواره التي يحفظها الجميع وتتوارثها الأجيال، بصوته المميز وأدائه المبهر، فلا أحد ينسى كلمات عم مدبولى الطيب التي قالها لقناوى في فيلم بابا الحديد ليوسف شاهين: «قناوى يابنى.. البس بدلة الفرح.. هجوزك هنومة»، ولا نجد أدق من عباراته التى تجسد النفاق السياسى الذى يرتدى عباءة الدين فى كل العصور، عندما جسد شخصية الشيخ مبروك المنافق وهو يتحدث إلى الفلاح الفقير أبو العلا فى فيلم الزوجة الثانية: "العمدة عاوز يناسبك يا أبو العلا.. انطاع يا ابنى إحنا غلابة.. طلق فاطمة واتجوز غيرها البلد مليانة بنات حلوة.. ده ربنا بيقول وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم»، وتجسيده لأدوار الكافر واليهودى المرابى في عدد من الأفلام الدينية ومنها، هجرة الرسول، الشيماء، وبلال مؤذن الرسول، وغيرها مئات الأدوار المسرحية والسينمائية والإذاعية، التي أبدعها خلال مسيرة فنية طويلة امتدت لما يقرب من 60 عاماً، إضافة إلى اختياره للمشاركة فى عدد من الأفلام العالمية بعد إعجاب المخرجين الأجانب بصوته وطريقة أدائه المميزة وقوته فى التمثيل وإتقانه للغة الإنجليزية.


وفى حوار لـ اليوم السابع كشف الدكتور أشرف حسن البارودى الأستاذ بكلية السياحة والفنادق ورئيس لجنة الأمم المتحدة لحفظ التراث العديد من الأسرار حول مسيرة وحياة والده، الذى وصفته كوكب الشرق أم كلثوم بأنه أكثر الأصوات التى تعجبها، قائلة: "حسن البارودى يغنى على المسرح" فالفنان الكبير ولد فى حى الحلمية بالقاهرة، واسمه بالكامل حسن محمود حسانين البارودى، وكان والده يعمل مترجما بشركة توماس كوك، وأتقن حسن البارودى  اللغة الإنجليزية إتقانا شديدا، إلى جانب إتقانه للغة العربية، حيث تعلم فى مدرسة الأمريكان، وبدأت مواهبه الفنية منذ الطفولة.

يحكى ابن حسن البارودى عن لقاء والده بالزعيم سعد زغلول، قائلا: "اختاره مدرس اللغة العربية ليلقى كلمة أمام سعد زغلول الذى جاء فى زيارة للمدرسة، وبعدما انتهى من إلقاء الخطبة ناداه سعد باشا وسلم عليه، وقال له صوتك حسن مثل اسمك، مؤثر وقوى ومقنع، ولو عملت محاميا ستكون بارعا ، ورغم سعادة والدى بهذه الكلمات إلا أنه حلم التمثيل ظل يراوده ولم يفكر فى غيره".


بدأ البارودى حياته العملية مترجمًا فى شركة توماس كوك، ولكنه لم يكمل فى هذا المجال، والتحق عام 1920 بفرقة حافظ نجيب، وبعدها بفرقتى فاطمة رشدى وجورج أبيض، وفى عام 1923 تقدم للعمل بفرقة رمسيس التى كونها يوسف وهبى مع عزيز عيد، ولكن عرض عليه وهبى أن يعمل كملقن لاكتمال عدد أفراد الفرقة، ووافق على أمل أن تأتيه فرصة للتمثيل ويقف على خشبة المسرح، وتحقق حلمه فى التمثيل عندما غاب استيفان روستى عن تمثيل دوره فى مسرحية «غادة الكاميليا»، فأُسند يوسف وهبى له هذا الدور وأداه بنجاح كبير، فرفع أجره من 12 إلى 25 جنيها.


شارك حسن البارودى  فى أكثر من 200 مسرحية خلال مشواره الفنى، وكان يعشق المسرح، وفى عام 1934 كون فرقة مسرحية وكان من بين أعضائها نجمة إبراهيم، محمود المليجى، عباس فارس، وطاف بها محافظات مصر حتى وصل إلى السودان واستقر بها عدة سنوات، وحقق نجاحات كبيرة، ثم عاد إلى مصر وإلى فرقة يوسف وهبى عام 1944، حتى التحق بالفرقة القومية التى أصبحت فيما بعد المسرح القومى عام 1951 براتب 16 جنيها، وظل يعمل به حتى إحالته للمعاش عام 1965، ولكن للأسف معظم المسرحيات لم يتم تسجيلها، ومن مسرحياته المسجلة «القضية- السبنسة- كوبرى الناموس- سكة السلامة- بداية ونهاية- كرسى الاعتراف».

وكانت بدايته مع السينما عندما شارك عام 1920 فى فيلم ابن الشعب وتوالت أعماله السينمائية حتى وصلت إلى 100 فيلم من روائع السينما المصرية والعربية والعالمية، وشارك فيها عمالقة الفن ومنها باب الحديد- الزوجة الثانية- الطريق- أمير الدهاء- حسن ونعيمة- جعلونى مجرما- زقاق المدق- هجرة الرسول- درب المهابيل- الشيماء- جريمة حب- بلال مؤذن الرسول- رسالة إلى الله- لحن الوفاء- الأم القاتلة- أقوى من الحب- الطريق»، وآخر أفلامه كانت فى نفس العام الذى توفى فيه وهو فيلم العصفور ليوسف شاهين سنة 1974.

كما سجل الفنان الكبير للتليفزيون فى رمضان برنامج البنورة المسحورة 30 حلقة، وكان من أنجح البرامج، تخلو الشوارع من الناس وقت الحلقة، وفاز البرنامج فى استطلاع لرأى المشاهدين كأفضل عمل فى التليفزيون، كما سجل للإذاعة ما يقرب من 540 حلقة من كتاب الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى، وكان برنامج يومى يقوم فيه بدور الأصفهانى ويتحدث فى بداية الحلقة ونهايتها، وشارك فى هذا البرنامج عدد كبير من الفنانين.


وشارك البارودى فى ثلاثة أفلام عالمية، ففى نهاية الخمسينات جاء الممثل شارلتون هيستون ومعه المنتج يبحثون عن ممثل عربى بمواصفات محددة، للمشاركة فى فيلم "الخرطوم"، وشاهدوا عددا من الأفلام العربية حتى وقع اختيارهم على الفنان الكبير الذى أبهرهم بأدائه وإتقانه للغة الإنجليزية، وبعدها شارك فى فيلمين آخرين، هما :"ثلاث قصص مصرية"، والفيلم الألماني: "روميل يغزو القاهرة"


وأكد الدكتور أشرف حسن البارودى أن والده كان يحفظ القرآن كاملا ويرتله بصوت مميز، وعندما علم المخرجين بتميزه فى قراءة القرآن كانوا يعرضون عليه تلاوة السور القرآنية فى الأفلام الدينية.


وعن معاناة والده حباً في الفن قال أشرف البارودى :"كان هذا الجيل يعانى من أجل رسالته الفنية ويتحمل كل الصعاب، وعندما كانت الفرق المسرحية التى شارك فيها أبى تسافر للعرض خارج البلاد كانوا يعانون هناك معاناة شديدة، و سافر والدى مع فرقة يوسف وهبى إلى البرازيل وأمريكا الشمالية عن طريق مراكب بالبحر، وفى إحدى هذه السفريات لم يكن معهم أموال وتأخرت التحويلات من مصر، وحكى لى والدى أنهم كانوا يعانون من الجوع فدخل هو والفنان عبدالفتاح القصرى إلى أحد الفنادق وأخذوا رغيفين من بقايا طعام الفندق ليسدوا جوعهم".


وكان الفنان الكبير من المقربين لكوكب الشرق أم كلثوم، وكانت تدعوه دائما لحضور الصالونات الأدبية التى تقيمها بمنزلها، حتى أنها كانت ترفض أن يبدأ النقاش إلا بعد حضوره، وفى إحدى المرات تأخر وطلب الكاتب مصطفى أمين من أم كلثوم أن تبدأ الجلسات، ولكنها رفضت حتى يحضر البارودى، وكان لها دور كبير عندما أصيب بضعف شديد بالنظر وكان مهددا بـ«العمى»، فحاول السفر إلى الخارج للعلاج، ولكن اعتذر له المسؤولون لعدم وجود ميزانية، فتدخلت كوكب الشرق وأجرت اتصالات على أعلى المستويات، وخلال ساعات أنهت كل الإجراءات وسافر إلى لندن لإجراء العملية.


كما كان يتمتع بمكانة كبيرة بين زملائه من أهل الفن من كل الأجيال حتى أطلق عليه لقب "شيخ الممثلين"، وكانت الأجيال الأصغر تناديه بلقب "بابا حسن".

ظل الفنان الكبير حسن البارودى عاشقاً للفن حتى أخر حياته، حتى أنه أصيب باكتئاب عندما وصله خطاب المعاش، وعن هذا يقول ابنه :"كان من أصعب المواقف فى حياة أبى اليوم الذى وصله خطاب مسجل بعلم الوصول من إدارة المسرح القومى عام 1965، ففوجئ بأنه خطاب المعاش، ولم يكن يدرك أنه موظفا فى الدولة لعمله بالمسرح القومى، ولم يتمالك نفسه وبكى ولم تحمله قدماه فاستند إلى الحائط، وقال لى: «من إمتى ياأشرف الفنان بيتعامل زى خيل الحكومة ولما يكبر يضربوه بالنار، أنا لسه قادر على العطاء وعاوز أمثل لحد ماأموت؟، وحاولت التخفيف عنه لكنه أصيب باكتئاب، وبالفعل ظل يعمل حتى آخر العمر، وشارك فى مسرحيات وأفلام وكان مطلوبا حتى وفاته وأدى الكثير من الأدوار بعد إحالته للمعاش، وحتى فى أيامه الأخيرة، التى وهن فيها بصره، وكان يجد فيها صعوبة فى القراءة والحفظ، كان يصر على الوقوف على خشبة المسرح، ويؤدى دوره حتى أقعده السن وضعف البصر، قبل وفاته بقليل، حيث رحل في 17 سبتمبر عام 1974".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب