داخل حى سكنى مكتظ فى مدينة المنزلة بمحافظة الدقهلية، تقف مقبرة الشيخ حسن طوبار، الزعيم الشعبى وشيخ إقليم المنزلة، وواحد من أبرز رموز المقاومة الوطنية ضد الحملة الفرنسية فى أواخر القرن الثامن عشر، شاهدةً على تاريخٍ مجيد، لكنها فى الوقت نفسه تصرخ بما تتعرض له من إهمال يهدد ما تبقى من معالمها، الصور الملتقطة للموقع تظهر بوضوح جدرانًا متشققة، وفتحات نوافذ متآكلة، وأكوام قمامة ومخلفات مبعثرة داخل الحجرة التى تحتوى القبر وحولها، إلى حد ينذر بخطر إنشائى وبيئى معًا.
مشهد الإهمال
تظهر الصور انهيار أجزاء من السقف والكرانيش، وتآكل طبقات المحارة حتى بان الطوب الأحمر تحتها، مع شروخ نافذة فى الحوائط تقسم بعض الواجهات إلى نصفين، أرضية الحجرة من الداخل تحولت إلى بؤرة لجمع القاذورات ومخلفات البناء، فيما تتكدس خارج الحجرة أكوام تراب مختلطة بقطع طوب مهدم وبقايا بلاستيك، فى المدخل، يبرز إطار معمارى كان يومًا يحمل زخرفة بسيطة، لكنه اليوم متروك لاعتداءات العوامل الجوية والعبث البشري، هذه المؤشرات، وفق الخبرات الهندسية المتعارف عليها، تعنى أن المبنى بات فى "حالة خطر" تستوجب تدخّلًا عاجلًا قبل أن نفقد معالمه القليلة المتبقية.
ورغم أن وزارة الآثار أعلنت فى أكثر من مناسبة نيتها ترميم المقبرة ضمن مشروع أوسع لإعادة الاعتبار للمجاهد حسن طوبار وإقامة متحف مصغر يضم مقتنياته ومراسلاته مع قادة الحملة الفرنسية، فإن الجزء الأكبر من عبء الإنقاذ تحمّله الأحفاد، بحسب شهاداتهم فى تحقيقات صحفية عدّة، حيث أنفقوا مئات الآلاف من الجنيهات على تدعيم الأعمدة والأسوار فى انتظار استكمال المشروع رسميًا.
من هو الشيخ حسن طوبار؟
ليس الحديث هنا عن مبنى عادي، فصاحب المقبرة هو الشيخ حسن طوبار، رمز محورى فى ذاكرة المقاومة الشعبية بشرق الدلتا، تشير المصادر التاريخية إلى أنه كان من كبار أثرياء مصر فى زمنه، وشيخ صيادى المنزلة، ويمتلك أسطولًا ضخمًا من مراكب الصيد وشبكة واسعة من الأنشطة فى مجالات الزراعة والنسيج والتجارة.
المؤرخ الفرنسى ريبو، فى كتابه "تاريخ الحملة الفرنسية فى مصر"، يصف مديرية المنصورة والقرى المتاخمة لبحيرة المنزلة بأنها موطن رجال أشداء ذوى نخوة وصبر، يمتلكون ما بين خمسمائة وستمائة مركب تمنحهم السيادة فى البحيرة، ويضيف أن لتلك المراكب أربعين رئيسًا يتبعون جميعًا حسن طوبار شيخ المنزلة، بوصفه الزعيم الأكبر لتلك المنطقة.
أما المؤرخ عبد الرحمن الرافعي، فى الجزء الأول من مؤلفه "تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم فى مصر"، فيُبرز حسن طوبار بصفته زعيمًا وطنيًا أشعل نار الثورة فى البلاد الواقعة بين دمياط والمنزلة والمنصورة، واستطاع أن يوحد بين حراك الفلاحين والصيادين فى البر، وقوة الأسطول الشعبى فى بحيرة المنزلة، فى واحدة من أوسع حركات المقاومة ضد الاحتلال الفرنسى فى الأقاليم.
كيف قرأت الكتب حكاية مقاومته؟
فى كتاب "صفحة من النضال الوطني: حكاية حسن طوبار" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يعيد أحمد طبار بناء صورة الشيخ حسن طوبار ضمن سياق المقاومة الشعبية للحملة الفرنسية، بوصف قصته "حلقة مهمة من حلقات مسلسل المقاومة الشعبية" التى واجهت أول تحدٍّ غربى لمصر فى التاريخ الحديث، معتمدًا على وثائق فرنسية ومصرية وشهادات مؤرخين معاصرين للحملة.
وتظل كتابات عبد الرحمن الجبرتى فى "عجائب الآثار فى التراجم والأخبار" مرجعًا أساسيًا لفهم المناخ العام الذى تحرك فيه أمثال حسن طوبار، إذ يسجل الجبرتى التبدلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى رافقت دخول الفرنسيين مصر، كما يرصد طبيعة ردود الفعل فى الأقاليم، ما يتيح قراءة أعمق لحركة المقاومة فى دلتا النيل والبحيرات.
هذه الكتب، إلى جانب دراسات حديثة مثل "موسوعة كنوز أم الدنيا" للباحث طارق بدراوى شهاب الدين، تشكل شبكة من الشهادات المتقاطعة على حجم الدور الذى لعبه حسن طوبار، ليس فقط بصفته ثائرًا من أقاليم الدقهلية، بل باعتباره نموذجًا لرجل الأعمال الوطنى الذى سخّر ثروته وأساطيله التجارية لخدمة مشروع المقاومة.
إن إنقاذ مقبرة هذا الرجل ليس مسألة محلية تخص أبناء المنزلة فحسب، فهو حفظ لصفحة مصرية لامعة فى سجل مقاومة الاحتلال، ومنح للأجيال نافذة مادية تطل منها على تاريخ موثق.
القبر
القمامة ..
القمامة تحيط بالمقبرة
القمامة داخل المقبرة
المقبرة تحتاج إلى ترميم
المقبرة من الداخل

حسن طوبار
قمامة
مدخل المقبرة
مقبرة حسن طوبار