يُعد معبد تحتمس الثالث أحد أبرز المعالم الأثرية في منطقة الدير البحري بالبر الغربي للأقصر، حيث يقف شاهدًا على روعة العمارة المصرية القديمة وتطورها خلال الدولة الحديثة. يقع المعبد في قلب وادي الدير البحرى، على منطقة صخرية مرتفعة تُتيح له الهيمنة على الأبنية المحيطة، وفي مقدمتها معبد الملك منتوحتب نب حبت رع ومعابد الأسرة الحادية عشرة، إلى جانب معبد الملكة حتشبسوت.
يُعد تحتمس الثالث واحدًا من أعظم ملوك مصر في الأسرة الثامنة عشرة. تولى الحكم بعد وفاة حتشبسوت، ونجح في بناء إمبراطورية مصرية امتدت من النوبة جنوبًا حتى مجدو وسوريا شمالًا، كما سيطر على مناجم الذهب في النوبة، مما أكسبه لقب "نابليون الشرق القديم" بين الباحثين.
موقع استراتيجي واسم قدسي
يقع المعبد على الضفة الغربية لنهر النيل في منطقة تُعرف بالدير الشمالي، يفصلها عن وادي الملوك جبل القرنة. وقد عُرف المعبد في النصوص القديمة باسم "دسر-أخِت" أي "قدس الأفق". وتؤكد الدراسات أن المعبد بُني في العقد الأخير من حكم الملك تحتمس الثالث، ما بين عامي 1435 و1425 ق.م تقريبًا.
تاريخ من التدمير وإعادة الاكتشاف
تشير الأدلة الأثرية إلى أن المعبد تعرض لدمار كبير في بدايات الأسرة الحادية والعشرين نتيجة زلزال قوي أدى إلى انهيار أجزاء واسعة منه. ومع مرور الزمن، تعرضت بقاياه للنهب، وخاصة أحجاره الرملية التي استُخدمت في منشآت أخرى، مما أدى إلى تهدم الجزء الداعم لمنصة المعبد وسقوط أجزاء منه فوق معبد منتوحتب الثاني المجاور.
وفي ستينيات القرن الماضي، أعاد علماء الآثار اكتشاف بقايا المعبد عندما عُثر على شظايا جدارية ملوّنة وإغاثات بارزة بين أنقاض الدير البحري. بدأت بعثة جامعة وارسو برئاسة البروفيسور كازيميرز ميشالوفسكي أعمال الحفائر بين عامي 1962 و1967، ثم استُكمل العمل من جديد عام 1978، ولا تزال البعثة البولندية تعمل حتى اليوم بالتعاون مع المتحف الوطني في وارسو ووزارة الآثار المصرية.
ملامح معمارية مميزة
صُمم المعبد على غرار المعابد المتدرجة بالدير البحري، حيث تتدرج شرفاته عبر منحدرات تصعد إلى مستويات عليا. ورغم صغر حجمه مقارنة بمعبد حتشبسوت ومجمع منتوحتب الثاني، إلا أن المعبد احتل موقعًا دقيقًا بينهما، على شرفة مرتفعة ترتكز على منصة صخرية مُدعّمة بجدران حجرية.
وأظهرت أعمال التنقيب وجود عشرات الآلاف من الشظايا المزخرفة بالنقوش متعددة الألوان، إضافة إلى قواعد أعمدة وتماثيل صغيرة ولوحات نذرية، من بينها تمثال حجري ضخم للملك تحتمس الثالث بارتفاع مترين.
الغرض من المعبد ودوره الطقسي
كرّس المعبد لعبادة الإله آمون في شكليه: آمون رع، آمون كاموتيف.
ويُرجّح الباحثون أن المعبد لعب دورًا مهمًا في عيد الوادي الجميل، وهو أحد أهم المهرجانات المصرية القديمة التي تُقام لتكريم الموتى، حيث كانت سفينة آمون تتوقف فيه أثناء رحلتها الاحتفالية.
إعادة البناء والحفاظ
ركزت أعمال الترميم الحديثة على إعادة بناء الشرفة العليا استنادًا إلى بقايا الأساسات والأرصفة، إضافة إلى إعادة تركيب الرسوم البارزة والنقوش الجدارية التي عُثر عليها مُبعثرة في المنطقة. ومنذ عام 2008، تتولى الباحثة مونيكا دولينسكا الإشراف على المشروع، الذي يهدف إلى إعادة تجميع الزخارف المعمارية وترميم النقوش للحفاظ عليها للأجيال القادمة.