تستعيد المراجع التاريخية كثيراً من صور الاضطهاد والتهجير الذى واجهه اليهود فى أوروبا، لكن يبقى واحد من أكثر الملفات غموضاً هو خطة تحويل جزيرة مدغشقر إلى وطن قومى لليهود، المشروع الذى تبنّته دوائر الحكم النازية .
فى مثل هذا اليوم 12 نوفمبر 1938، وبعد واحد وعشرين عاماً من وعد بلفور الذى دعم إقامة وطن لليهود فى فلسطين، كانت ألمانيا النازية تدرس بالفعل خياراً مختلفاً تماماً: تهجير ملايين اليهود إلى مدغشقر. الفكرة لم تكن وليدة اللحظة؛ فقد ظهرت لأول مرة فى أواخر القرن التاسع عشر، وناقشتها حكومات أوروبية عدة بينها فرنسا وبولندا وبريطانيا، لكنها اكتسبت زخماً جديداً مع صعود النازية وتوسع الاضطهاد ضد اليهود.
مدغشقر كانت البديل لنكبة فلسطين
وفى عام 1917، قبل الحرب العالمية الثانية بسنوات طويلة، طرح هيرمان جورينج، أحد أبرز قادة النظام النازى وذراع هتلر العسكرية، تصوراً واضحاً لمشروع الترحيل. وبعد نحو عقدين، وتحديداً فى 15 أغسطس 1940، أبدى أدولف هتلر موافقته الرسمية على الخطة، وكلف أدولف آيخمان بوضعها موضع التنفيذ. كانت الخطة تقوم على نقل حوالى مليون يهودى سنوياً لمدة أربع سنوات إلى مدغشقر التى ستخضع لسيطرة ألمانية كاملة وتحويلها إلى دولة بوليسية مغلقة.
ووفق ما يذكره تقرير دولى لموقع "جلوبال فويس"، جاءت هذه السياسة فى سياق رؤية نازية تعتبر وجود اليهود فى أوروبا “مشكلة إقليمية” يمكن حلها بتغيير جغرافيا وجودهم بالكامل. وأشار كتاب "أطلس الحربين العالميتين" إلى أن وثيقة رسمية لاجتماع حكومى فى برلين بتاريخ 20 يناير 1942 سجلت رأى هينريك هيملر بأن تشجيع الهجرة إلى مدغشقر كان خياراً عملياً فى ظل الحرب، لأن ألمانيا كانت فى حاجة إلى الأيدى العاملة لدعم مجهودها العسكرى.
من جانبه، يقدم المؤرخ الفرنسى بول راسنير رواية أكثر تفصيلاً. ففى كتابه "دراما اليهود الأوروبيين"، يؤكد أن الوثيقة المعروفة باسم "الحل النهائي" لم تكن بداية مشروع الإبادة الجماعية كما يُقدم غالباً، بل كانت فى جوهرها تأجيلاً لفكرة استيطان مدغشقر. فالحرب عطلت عملية الترحيل، وأجلت فتح قنوات دبلوماسية مع القوى الكبرى لبحث “وطن بديل”. ويشير راسنير إلى أن النازيين اعتبروا مدغشقر خياراً “واقعياً” فقط بعد انتهاء الحرب، وهو ما لم يحدث أبداً.
ومع تقدم الحرب العالمية الثانية وظهور ملامح الهزيمة الألمانية، تبددت خطة الترحيل نهائياً. ثم جاء موقف القوى الغربية المنتصرة ليحسم الاتجاه: رفضت تلك الدول المشروع الألمانى تماماً، ووجدت أن إقامة وطن قومى لليهود يجب أن يكون فى فلسطين، الأرض التى اعتبرتها الحركة الصهيونية موطناً دينياً وتاريخياً. وهكذا انتقل الملف من طاولة “مدغشقر” إلى طريق “قيام إسرائيل” عام 1948.