حسين السيد يكتب: رضوان الجلفى من تاريخ الجبرتى

الإثنين، 10 نوفمبر 2025 07:00 م
حسين السيد يكتب: رضوان الجلفى من تاريخ الجبرتى عبد الرحمن الجبرتي

لم أكن أتصور أن يكون ثمة إنسان يشجع الناس على التغزل بالنساء، ويأمر الشرطة بألا يتعرضوا لهؤلاء المتغزلين، وأن يتركوهم وشأنهم، فلا يضايقهم أحد حتى لا يتعكَّر مزاجهم، ويزداد عجبى عندما يكون هذا الإنسان هو الحاكم المسئول عن أمن رعيته وراحتهم، ويزداد عجبى أكثر أن يحدث هذا فى بلد مسلم.

هذا ما حدث فى مصر، فى عهد الأتراك، فى النصف الأول من القرن الثامن عشر، فكان يتولى أمر مصر رجلان: أحدهما "إبراهيم كتخدا" الذى كان يعد الحاكم الفعلى لمصر، والآخر يدعى "رضوان الجلفى" وكان مغموسا فى الملذات التى كان يُسرُّ منها كثيرا، ويشتهى بناء القصور، فيقول عنه الجبرتى فى تاريخه:"

ولما استقرت الأمور له ولقسيمه، ترك له الرياسة فى الأحكام، واعتكف المترجم على لذاته وفسوقه وخلاعاته ونزهاته، وأنشأ عدة قصور وأماكن بالغ فى زخرفتها وتأنيقها، وخصوصا داره التى أنشأها على بركة الأزبكية.. وكان يتنقل بين قصوره، وخصوصا أيام النيل، ويتجاهر بالمعاصى والراح، والوجوه الملاح، وتبرج النساء ومخاليع أولاد البلد، وخرجوا عن الحد فى تلك الأيام، ومنع أصحاب الشرطة من التعرض للناس فى أفاعيلهم، فكانت مصر فى تلك الأيام مراتع غزلان، ومواطن حور وولدان، كأنما أهلها خلصوا من الحساب، ورفع عنهم التكليف والخطاب"، ولهذا قصده الشعراء، ومدحوه بقصائد طويلة، وألف فيه الشيخ عبد الله الإدكاوى كتابا سماه "الفوائد الجنائية فى المدائح الرضوانية" وهو تجميع لكل ما مدح به الأمير رضوان الجلفى من قصائد ولطائف وتواشيح، وقد أورد الجبرتى بعضا من هذه القصائد فى تاريخه.

ولما ترك الأمير رضوان الأمر لصاحبه الأمير إبراهيم، تفرغ هو لشئون الدنيا، وراح يطلب ما لذ وطاب من الشراب وغيره، وأعطى حرية زائدة لنساء القاهرة، وأصدر أوامره إلى رجال الشرطة بألا يزعجوهم أو يعترضوا طريق المعجبين بهن، وهذا أمر يستدعى الغرابة من رجل يعد مسئولا ومهمته حفظ الوطن واستتباب الأمن، ولكن كيف سمحت النساء لأنفسهن بالتبرج واستخدام الزينة الكاشفة، بل كيف سمح لهن الأهل، ومعلوم أن المرأة لا تخرج من بيتها إلا فى مناسبتين، يوم زفافها ويوم موتها، ولا غرابة فى هذا، فنحن نتحدث عن القرن الثامن عشر، وقبل تولى محمد على حكم مصر بأكثر من خمسين سنة.


يعنى إذا تغزل رجل بامرأة فهذا لا يستوجب معاقبته، وقد يكون أمام أعين الشرطى الذى تغلى عروقه من فوران دمه لرؤيته مناظر تشمئز منها النفوس، لكن ما باليد حيلة، فجاءته الأوامر بعدم التعرض لهؤلاء المتسكعين، وقد لا ينتهى الأمر بالتغزل فقط، وإنما يتجاوز ذلك إلى التحرش الجسدى، فمن خلال وصف الجبرتى لسكان القاهرة آنذاك، الذين كانوا يحتسون كئوس الشراب واللذة حتى الثمالة، وكأنهم نسوا أن هناك حسابا عسيرا عليهم أن يؤدوه يوم الحساب، إضافة إلى تبرج النساء، كل هذا يجعلنا نعتقد أن الدولة لم تهتم بمسألة التحرش وإنما كان يتم تحت أعينها.

لما مات الأمير إبراهيم، اهتز حكم الأمير رضوان، وصار مطمعا من الجميع، ورفعت النيام رءوسها، وتحركت حفائظها ونفوسها بعبارة الجبرتى، وتطلع المماليك إلى الرئاسة، وأخذ عبد الرحمن كتخدا يؤلب مماليك الأمير إبراهيم على رضوان، ليتفرقوا عنه، فيكون رضوان وحيدا، فيسهل الانقضاض عليه، وبالفعل تخلى مماليك الأمير إبراهيم عن الأمير رضوان، وشرعوا فى اغتيال رضوان، وانتهزوا الفرصة، فكانت نهاية رضوان مفجعة، فقد أحاط المتآمرون بمنزله، وانطلقت القذائف تجاه بيته، فى الوقت الذى كان رضوان مشغولا بحلاقة رأسه عن طريق المزين، وحاول بكل قوة أن يدافع عن نفسه ويصد هجوم أعدائه، لكن جاءته الضربة عن طريق مملوك له اسمه صالح وما هو بصالح وإنما هو فاسد خائن، وهرب مملوكه صالح إلى خصومه، أمروا بقتله، فشفع له من وعده بالمكافأة إن قتل الأمير رضوان، واستطاع رضوان الهروب من داره وابتعد عن القاهرة، متجها إلى الصعيد، فمات بشرق أولاد يحيى بمحافظة سوهاج.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة