أكرم محمد يكتب: "عالمى الهادئ.. كيف تتحقق نهاية العالم؟"

الإثنين، 10 نوفمبر 2025 09:00 م
أكرم محمد يكتب: "عالمى الهادئ.. كيف تتحقق نهاية العالم؟" غلاف رواية عالمي الهادئ

هناك اعتراف ضمنى فى هذا النص بتعدد طرق النهاية، نهاية العالم التى تتحقق بنهاية الإنسان، وبالأحرى بـ"حيونة الإنسان"، غير أن هذه الطرق، التى تظهر عادة فى أدب وسينما الخيال العلمى الهوليوودي، تكون خيالية إلى الحد الذى ينفى واقعها: واقع انتهاء الكون وبدء حياة جديدة مختلفة لا ترث ذلك الواقع الإنساني. فكما يقر الراوى فى تصدير النص، لم يترك الإنسان إرثًا. ومن هذه النقطة تحديدًا تتغيّر هنا طرق موت العالم وانتهائه؛ إذ تتحقّق بانتهاء الإنسان معنويًا أساسًا.

الراوى فى رواية "عالمى الهادئ" للروائى إسماعيل وهدان، الصادرة عن دار "روافد"، يروى محكيته التى تقدم هنا كشهادة، فى إقرار من النص بمباشرة رموزه ودلالاته، إذ إن المحكية ذاتها "كتاب"، كما يقول الراوى فى الافتتاحية: "أما ما يدور عنه هذا الكتاب، فهو أحد الأدلة المهمة التى يمكننى أن أقول إنها من أثرنا كفصيل سكن هذا الكوكب لعِبْرة من الزمن. عثرتُ عليه فى وسط المحيط — ولك أن تتخيل احتمالات أن يحدث هذا — أثناء مغامرة أخرى. أنهيتُ قراءة ما وجدتُ فى نصف ليلة، ثم قررتُ نشرها فى هذا الوسيط القديم الوحيد الذى ما زال يعمل.. لعل هناك من يقرأها، فينا أو من بعدنا."

عالمي الهادئ
عالمي الهادئ

 

إذًا يقر الكاتب، من خلال منحه راويه المهمَّش — بالضرورة — صوتًا، بدور الفن فى تمكين الهامش؛ ذلك الهامش الذى بانتهائه ينتهى الإنسان، وبدوره ينتهى الكون. هكذا تُروى "نهاية العالم" فى هذا النص نهايةً واقعيةً مغايرةً للنهايات الهوليوودية؛ فالراوى يرى النهاية نتيجةً حتمية لتتابعات شرور شبه يومية: "هناك مقولة مكتوبة منذ قرون عدة، لا أذكر أين قرأتها أو متى.. ربما فى زمن آخر كانت توجد فيه الكتب وما زالت تجد من يقرأها.. وربما كانت مقتبسة من فيلم ما أو قصيدة، أو أى من صور الإبداع البدائية المنقرضة. تصف المقولة نهاية العالم بأنها ليست حدثًا ننتظره، بل هى كل يوم.. كل جريمة.. كل انتهاك، وكل سرقة، وكل قتل. نستيقظ كل يوم على نهاية العالم، ونودّعها قبل أن نغلق جفوننا ليلًا. أتذكرها الآن، لأننى أعلم أن النهاية لم تأتِ فجأة، بل جاءت على مراحل عدة، مرورًا بقرون من الزمن."

إذًا ليست نهاية العالم حدثًا هوليووديًا محضًا كاحتلال فضائى أو انفجار قنبلة نووية؛ لأنها ببساطة نهاية تعنى بالهامش، أى بالإنسان، الذى لا تتحقّق نهاية العالم إلّا بتحقّقه. هنا تستقرئ النهايةُ بداياتِ الشر ومعناه، فتممنح الراوى المهمَّش صوتًا سرديًا فى زمن مستقبلى يحاكى سواد الحاضر مع ترميز لمعنى "النهاية": نهاية الإنسان أولًا معنويًا، ثم نهايته ماديًا بانتهاء العالم. إنه زمن لا وجود فيه للكتب؛ انتهى فيه الفن والثقافة، وسادت معانى الشر. كان اختيار ضمير الأنا لسرد المحكية من أكثر بقاع العالم شرًا؛ من بابين لشر واحد: أولهما السجن، حيث يفتتح الفصل الأول بنهاية مادية لمجموعة من البشر تحاكى — رمزيًا — النهاية المعنوية؛ إذ يشهد الراوى إعدام مجموعة من المسجونين على يد ضابط توقع تعاطفه معهم ولو للحظة، ثم يبدأ فى سرد الحرب. إذًا منبع الشر هنا السلطة: ثنائية المتسلّط/المهمَّش، فيما يُمنح الصوت السردى للمهمَّش، للإنسان العادي: الجندي، المسجون، الشاهد الأهم؛ لأن نهايته هى التى تحقّق نهاية العالم واقعيًا، لا عبر تصوّرات فانتازية.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة