كيف عاش الشعب المصرى نصر أكتوبر المجيد؟.. ما يقوله محمد توفيق

الإثنين، 06 أكتوبر 2025 08:00 م
كيف عاش الشعب المصرى نصر أكتوبر المجيد؟.. ما يقوله محمد توفيق شيء من الحرب

كتبت إسراء إسماعيل

منذ قيام حرب أكتوبر، والأدباء، والمثقفون، والشعراء، والضباط، والجنود، والمؤرخون، يكتبون عن حرب أكتوبر، بل ويوثقون ما حدث في يونيو 1967 وكيف انتقلنا من الهزيمة إلى النصر، وتعددت المذكرات، والروايات، والدواوين، والكتب التاريخية، حتى وصل إلينا كتاب: "شيء من الحرب"، والمختلف في هذا الكتاب أنك تقرأ سردًا قصصيًا للأحداث، بل وتسترجع في ذهنك بعض ما شاهدته في فيديوهات لصانعي المحتوى على يوتيوب، أو لمشهد رأيته في فيلم أو مسلسل.

ونحن هنا لا نقول بأن  محمد توفيق قد اعتمد في كتابه على محتوى YouTube أو FaceBook، فهو أثبت بأنه استعان بالمحاضر السرية لمجلس الوزراء، بالإضافة إلى اطلاعه على الصحف والمذكرات التي تناولت تلك الفترة، لكن الجزء الأول والذي صدر تحت عنوان: "السلاح السري"، يعطيك هذا الشعور، فعملية الحفار التي رصدها الكتاب، تذكرك برواية الحفار، التي كتبها الأستاذ صالح مرسي وتحولت إلى مسلسل فيما بعد، وأغنيتي فدائي والمسيح لعبد الحليم حافظ، تذكرك بمشاهد كواليس كتابة هاتين الأغنيتين، التي تناولها الدكتور مدحت العدل في مسلسله الشهير: "العندليب حكاية شعب"، لذا فأنتَ تستمتع وأنتَ تقرأ هذا الكتاب لأنك تتذكر ما قرأت وما سمعت عن هذه الفترة.

أما الجزء الثاني "الكعك والبارود"، فهو أكثر متعة، لأنه تناول أحداثًا لم يتناولها الكثيرون، خاصة حالة الشعب في تلك الفترة، قبل الحرب بأيام، وخلال الحرب أيضًا، ولم يغفل عن ذكر بعض القصص الشهيرة، كقصة استشهاد البطل إبراهيم الرفاعي قائد الفرقة 39 قتال، وإصابة اللواء عادل يسري قائد لواء النصر، وصاحب لقب الساق المعلقة.

وقد تعجب بعض القراء وسألوا: لماذا أسمى المؤلف هذا الجزء بالكعك والبارود، وسنجيبكم على هذا السؤال في نهاية موضوعنا، كما أجابنا عليه الكاتب في نهاية كتابه، ولكن قبل أن نبدأ في عرض محتوى الكتاب وجب الإشادة بالنسخة الصوتية الخاصة بالكتاب، إذ أضافت طابعًا مميزًا له، خاصة إذاعة الأغاني، والخطابات الرئاسية، والبيانات العسكرية المذكورة في الكتاب.

شيء من الحرب
شيء من الحرب

الجزء الأول: السلاح السريّ

تناول الكاتب في هذا الجزء دور الفن في إعادة البهجة للمصريين بعد النكسة، وبدأ كتابه باجتماع الرئيس بمجلس الوزراء بعد 26 يومًا من النكسة، وبعد مناقشة الشؤون السياسية والاجتماعية وأحوال الجبهة، قال الرئيس: "أنا شايف إن التليفزيون حزين والإذاعة حزينة"، وسألهم: هل كان الراديو أيام الحرب العالمية الثانية في إنجلترا حزينًا؟ وكان ملخص إجابات الوزراء خاصة الذين درسوا في الخارج أو حصلوا على فرقة أركان حرب بأن إنجلترا انتصرت بالسيمفونية الخامسة لبيتهوفين، ووجه الرئيس رسالته لوزير الإرشاد، بضرورة إذاعة ما يبهج الناس ويخرجهم من تلك الحالة الكئيبة، وفهِم الوزراء الرسالة، فإظلام القاهرة، وإغلاق السينمات والمسارح، ومنع حفلات المطربين، وارتداء الأسود ليس حلاً.

ثم عاد الكاتب إلى الوراء قليلاً، تحديدًا إلى الـ12 من مايو حين بدأت إسرائيل تفصح عن نيتها لاحتلال سوريا، وبأن مصر لن تتمكن من مساندة سوريا، وقتها شعر الرئيس بأن تلك التصريحات إهانة للعرب، وقرر الرد، وهنا جاء دور الفن لإيصال رسائل للعدو قبل الصديق، بأن الأمة العربية ليست لقمة سائغة، لذا دعا الإذاعي أحمد سعيد كافة المطربين، والملحنين والشعراء لدعم الجنود بأغانيهم الحماسية، وكان من بينهم: "عبد الرحمن الأبنودي، وسيد حجاب، وصلاح جاهين، ورياض السنباطي، وكمال الطويل، وبليغ حمدي، ومحمد الموجي، وعبد الحليم حافظ، وأم كلثوم، وشادية، ونجات الصغيرة، وفايزة أحمد"، ولم يتوقف الفنانون عند الغناء، بل نظموا حملات للتبرع بالدم، والتدرب على ضرب النار.

كما أثبت الكاتب بأن الرئيس جمال عبد الناصر قد أخبر القادة بخطة العدو، التي تؤكد بأنهم سيهجمون يوم الإثنين الخامس من يونيو، وأن الضربة الأولى لهم ستستهدف مواقع الطيران المصري، لكن قادة الجيش لم يأخذوا هذه المعلومات على محمل الجد، وظنوا أن إسرائيل تناور فحسب.

وهذه الفقرة بالتحديد، تؤكد أن عبد الناصر حذر قادته بموعد هجوم إسرائيل وهدفهم الأول، وليس كما ذكر البعض في مذكراتهم بأن عبد الناصر تجاهل تلك المعلومة التي وصلت جهاز المخابرات المصرية من العميل رفعت الجمال.

ولم ينفِ الكتاب ما حدث في قاعدة أنشاص العسكرية، وأكد أن الجميع تحول للتحقيق بعد النكسة، ورصد ردود أفعال المواطنين والفنانين بعد إعلان عبد الناصر تنحيه عن رئاسة الجمهورية، وكان على رأسهم أم كلثوم، التي غنت أغنية: "حبيب الشعب"، ورصد الخسائر التي تعرضت لها المجلات الأسبوعية، التي نُشِرت بعد النكسة.

ثم انتقل إلى النكات التي يُطلِقها المصريون بعد الحرب، وتحدث عن خطاب الرئيس في يوليو الذي يتحدث عن هذه النكات، وكيف أن الناس بدأوا في تقليلها بعد خطاب الرئيس، وتحدث عن طلب الرئيس بأن يكون لفؤاد المهندس مسلسلاً في رمضان، وكانت الإذاعة المصرية على موعد مع مسلسل شنبو في المصيدة، وحصد المسلسل نجاحًا باهرًا، بل وساعد الناس على الخروج من تلك الحالة الكئيبة.

كما رصد الكتاب جزءً من المجهود الحربي الذي تصدرته أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، فكان كلٌّ منهما يتبرع بأجر أغنية أو حفلة غنائية، وسار على دربهم كثيرون۔۔ وكان أشهر حفلاتهما حفلة عبد الحليم حافظ في قاعة ألبرت هول في لندن، والتي غنى فيها أغنية المسيح، وحفلة أم كلثوم على المسرح الأوليمبي في باريس.

كما رصد الكاتب بعض الأفلام والمسرحيات التي أثارت الجدل، بل واضطر مجلس الوزراء التدخل في حلها، كفيلم ميرا مار، وقصر الشوق، وثرثرة فوق النيل، وشيء من الخوف، ويوميات نائب في الأرياف، والبغل والإبريق.

كما تحدث عن مدرسة بحر البقر وكيف رصد الفنانون والصحفيون ما حدث، إذ كتب صلاح جاهين: "الدرس انتهى لموا الكراريس"، وكتب معين بسيسو مقالاً يدعو فيه إلى إرسال كراسات الواجب المدرسي التي سالت عليها دماء الطلاب للأمين العام للأم المتحدة.

ورصد بعض الأنشطة التي تنظمها الشؤون المعنوية للجنود والضباط، كإقامة الحفلات الغنائية، وعرض الأفلام والمسرحيات على الجبهة.

ثم انتقل إلى حرب أكتوبر، ورصد رد فعل الفنانين عليها، وكيف كانت أغنية بسم الله الله أكبر بسم الله هي أول ما قيل بعد بيان العبور، وسار على درب بليغ حمدي وعبد الرحيم منصور كثيرون، وكما كانوا سببًا في النكسة كانوا سببًا في النصر.

الجزء الثاني: الكعك والبارود

في هذا الكتاب يتناول الكاتب أحوال الشعب قبل حرب أكتوبر بشهرين، فرصد الغارات الوهمية التي يُطلِقها المسؤولون في القاهرة والمحافظات الأخرى، لتدريب المواطنين على إخلاء المدينة في حالة حدوث غارة حقيقية.

كما رصد اجتماع مجلس الدفاع المشترك بين مصر وسوريا، الذي أُقيم في قاعدة رأس التين البحرية، وانبهر الجميع من فكرة كتابة الفريق عبد الغني الجمسي للمعلومات المطلوبة والخطط الاستراتيجية المقترحة في كشكول عادي يستخدمه طلاب المدارس، حتى إن الرئيس أُعجب بالفكرة لكنه أمر بأن يبقى الكشكول مع صاحبه، لأنه الوحيد الذي سيتمكن من حمايته والحفاظ على سرية المعلومات المدونة داخله.

ثم انتقل إلى بداية شهر رمضان ونهاية شهر سبتمبر وحالة الزحام على المجمعات الاستهلاكية، رغم القرارات التي أصدرها الرئيس بزيادة السلع، فقد رصد الكاتب بعض المشاجرات التي عانت منها القاهرة وباقي المحافظات أمام المجمعات الاستهلاكية، كما رصد حوادث النشل والسرقة، والزحام المروري، ومشاكل وزارة الصحة، والتعليم، والاقتصاد، ويوضح الكاتب أن العدو كان يتابع كل ما يحدث في مصر، ويستهزئ بنا، ويرى أن شعبًا يسعى وراء الطعام ويعاني من زحام مروري، لن يتمكن من خوض الحرب، لكن الجيش المصري فاجأهم يوم السبت، السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان، حين شنَّ هجومه الجويَّ على قواعدهم العسكرية، وآزره سلاح المهندسين حين بدأ بتحطيم خط برليف.

وكما هزمت إسرائيل مصر في 6 أيام، حطمت مصر أسطورة جيشهم العظيم، في 6 ساعات، بل وأجهزنا عليهم في 20 يومًا.

ورصد الكتاب ردود أفعال المواطنين على بيان العبور، والبيانات التي تصدر لإعلان انتصارات الجيش، ورصد تبرعات المواطنين لصالح المجهود الحربي، والتي تنوعت ما بين التبرع بالدم، وسندات الجهاد، والتبرع بالذهب، وصناعة الثياب ولوازم الأسِرّة، وأضاف بأن التبرع لم يقتصر على الكبار، بل إن الأطفال تبرعوا بما جمعوه في حصالاتهم، ومنهم ما تبرع بثمن كعكة عيد ميلاده، ومَن تبرع بمصاريف حفل عيد الميلاد.

كما رصد الكاتب بطولات الفلاحين في الحرب، فسكان القرى القريبة من الحرب ساعدوا الجنود في الإمساك بالأسرى، وأمدوهم بالطعام والشراب، بل إن الطيارين الإسرائيليين الذين يتركون طياراتهم بعد مطاردة الدفاع الجويِّ لهم خلال الغارات التي تُشَنُّ داخل الأراضي المصرية، يسعى الفلاحون للقبض عليهم وتسليمهم للشرطة.

فقد رصد الكاتب بعض الغارات التي شنها العدو داخل الأراضي المصرية، والتي أصابت القاهرة، وبعض مراكز وقرى محافظتي الشرقية والدقهلية وغيرها من المحافظات۔۔ لكن المشكلة التي واجهت المصريين أن العدو كان يُلقي بشراكه الخداعية، كالأقلام الرصاص، وأحمر الشفاه، وساعات اليد، التي كانت سببًا في إصابة الأطفال والنساء المصريين بحروق وعاهات، وقد قدمت مصر إلى الأمم المتحدة صورًا للمصابين بسبب هذه الشُرُك الخداعية، التي يُلقيها العدو داخل الأراضي المصرية.

وأوضح الكاتب بأن الناس بدأوا يُقِلِّلون من إقبالهم على المجمعات الاستهلاكية، والتزموا بسياسة الترشيد، بل إنهم سعوا لتجنب زحام الطرق، وتاب بعض اللصوص عن السرقة، خاصة لصوص البيوت الذين توقعت الجهات الأمنية أن يكثروا مع الغارات، لكنهم توقفوا، بل إن الجريمة انعدمت خلال الحرب.

ولم ينسَ الكاتب رصد بطولات الجنود المصريين كصائدي الدبابات، أمثال أحمد عبد العاطي وإبراهيم عبد العال، وقصة الشهيد سيد زكريا، التي ظلت مجهولة للجيش لسنوات بسبب استشهاده ورفاقه.

الكعك والبارود
الكعك والبارود

كما رصد الكاتب حصار السويس، الذي بدأ في نهاية شهر رمضان، وكيف سعى أهل السويس لحل الأزمات التي تنوعت ما بين نقص الدقيق بعد حرق مخزن الدقيق المتبقي في المدينة، وانقطاع الكهرباء والمياه، ورغم امتناع المصريين عن صنع كعك العيد قبل صدور قرار الحكومة بهذا الشأن، إلا أن أهل السويس صنعوا الكعك، والبسكوت، والغريبة، والبسبوسة، ليُثبتوا للعدو، أنه لم يتمكن من قتل فرحتهم بالعيد، وغطت رائحة الكعك والحلوى في العيد، على رائحة البارود.

إذًا عزيزي القارئ هل عرفتَ لماذا سُمِّيَ الجزء الثاني بالكعك والبارود؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة