أساطير وحكايات لا يستوعبها العقل البشري تماما، لكنها نفذت فعليا علي أرض الواقع، بعقول وأيدي أبناء مصر من أفراد القوات المسلحة المصرية البواسل، حتي أصبحت روايات خالدة لا تنسي أبدا في التاريخ العسكري والمدني علي مستوي العالم، لتظهر قدرة وكفاءة الفرد المقاتل المصري في أشد وأحلك الظروف، حيث قضي هؤلاء الأبطال علي تبعات الحرب واستعادوا أنفسهم سريعا، وخلقوا نصرا عظيما من رحم المعاناة والظروف القاسية
ومع الاحتفال بذكري نصر أكتوبر المجيد، يرصد موقع وتليفزيون "اليوم السابع" لقاءات مختلفة حول ملاحم وروايات الأساطير المشاركين في النصر العظيم، الذي مازال وسيستمر تدريسه في جميع المدارس العسكرية حول العالم، لما شهدته هذه الحرب من بطولات وإنكار للذات من كل فرد داخل الوطن وتحديدا داخل المؤسسة العسكرية المصرية "الجيش المصري"
"رجال المشاه" الأقوى في العالم.. منظومة متكاملة داخل الجيش المصري
يسرد أحد مقاتلي المشاة العظماء، الذين خاضوا أشرس المعارك العسكرية حول العالم" حرب أكتوبر 1973"، ما قام به هو وزملاءه من المقاتلين، حيث يؤكد علي أهمية "الجندي المقاتل المصري"، كونه أقوي وأفضل جندي مقاتل في العالم، حيث بتبع عقيدة الجيش المصري الثابتة والراسخة، وهي "النصر أو الشهادة" التي لابديل ولا حياد عنها.
حضور الرئيس الراحل جمال عبدالناصر
يقول عريف مقاتل مصري محمد نصر: كنا على أتم الاستعداد للحرب، وننتظر إشارة انطلاق الحرب بفارغ الصبر، وكنت ضمن طاقم دبابة من النوع المعدل والمطور على يد مهندسين من أبناء القوات المسلحة المصرية، حيث تم تعديلها وتطويرها في منطقة الورش بالعباسية، وكان طاقم الدبابة مكون من 4 أفراد، كنت أنا من بينهم، حيث كنت "مدفعجي"، وتم تسميتى بعد ذلك بـ"رامى دبابة".
استكمل انتظرنا سنوات طويلة من خلال التدريب والاستعداد المستمر ليوم الحرب وعودة كرامتنا، في الفترة من 1967 حتي 1973، حيث كنا في مشاريع العبور المستمرة، للتدريب علي خطة العبور في منطقة الرياح البحيري "الخطاطبة" و"وردان" وذلك بحضور دائم ومستمر من الرئيس الراحل "جمال عبدالناصر"، كونها مشاريع حرب ومعارك شرسة ومتكاملة ، وكنا نصل لـ"محافظة الفيوم" علي جنزير الدبابة خلال التدريبات
أسورة القميص العسكري وغصب في الجبهة الداخلية.. مطالبات بالتضحية والفداء
أكمل المقاتل المصري محمد نصر، مررنا بفترة عصيبة وضغوط لا يتخيلها أحد، ففي الوقت الذي تقوم به القوات المسلحة لإعدادنا عسكريا ونفسيا، كنا نري الغضب والعتاب بغلاظة من الشعب المصري حتي أثناء سيرنا في الشوارع، حتي من كان يشد من أزرنا في ذلك الوقت يقوم بتحفيزنا بطريقة صعبة، مفادها استشهدوا وضحوا بالغالي والنفيس في سبيل أرضنا، فلا غني عن استعادة أرضنا وكرامتنا بشكل مشرف
واستطرد قائلا: بات الأمر صعبا ولكن لا نحزن بالعكس تلك الأمور كانت تعطي لنا حافز جبار، حيث كان محرم علينا، حتي الاهتمام بمظهرنا، وتنسيق زينا العسكري، وإذا فكر أحد منا في تطبيق أسورة قميصه العسكري، من باب الاهتمام مثلا يري رد فعل غير متوقع سواء في المواصلات أو في الشارع من الناس، كانت هناك نظرات قاسية جدا بألا يتكرر هذا الأمر مجددا وأن التباهي والاعتزاز بالنفس لا يأتي إلا بعد النصر فقط، وأن يكون التركيز منصب فقط علي الحرب، وسحق عدونا وإزلاله، حتي يكون عبرة للعالم أجمع
"سرابيوم" اختفاء الكتيبة بالمعدات العسكرية
ذهبت لقضاء أجازتي السنوية، والتي لم تكن إلا 6 أيام فقط، وعند عودتي إلي الكتيبة المتمركزة في منطقة "سرابيوم" لم أجد المعدات العسكرية والدبابات ولا أي شئ أمامي في الكتيبة، ما أصابني بالذهول والاندهاش وبدأت أصيح بصوت عالي علي أسماء زملائي والقادة وكل ما أعرفهم، ولا أحد يجيبني، لدرجة أنني بدأت انزل الي الملاجئ التي أعددناها مسبقا داخل الكتيبة لأبحث عن زملائي، خوفا من أن تكون الكتيبة تم قصفها بالطيران لا قدر الله، ولكن في نفس الوقت لا آثار لذلك التفكير لكن شعور القلق علي زملائي وكتيبتي تسبب في ارتباكي.
فجأة أجابني حارس المهمات واتذكر انه مقاتل يدعي ربيع علي خميس من نفرا بمحافظة البحيرة، وكان مهمته تسمي بالمؤخرة، وهي متابعة منطقة الكتيبة، وحماية أغراض المقاتلين، حيث يتحرك المقاتلين بالشدة المعدة للحرب فقط، ويتبقى في الكتيبة أغراضهم الشخصية، وعندما تحدث إلي شعرت بالطمأنينة حيث أخبرني بأن الكتيبة تحركت بالكامل إلي مكان آخر وهو في منطقة "تبة الشيخ حنيدة"، وهي هضبة عالية بجوار النصب التذكاري في الإسماعيلية، وتعد منطقة للمقابر
انزعاج العدو.. أصوات جنازير الدبابات وغبار بكثافة في أوقات الليل
ووضعت القيادة العسكرية المصرية، خطة الخداع الاستراتيجي المتكاملة لجميع الكتائب الموجودة علي الجبهة أو خط النار كما يطلق عليها البعض في الخطط العسكرية، حيث يتم تمويه وخداع العدو، وبدأت الكتائب ومن بينهم الكتيبة المتمركزة في "جبل الشيخ حنيدة"، بعمل تمويه في أوقات الليل، حتي يصل الصوت بوضوح إلي العدو، حيث تتحرك الدبابات بطريقة مسرعة في وقت واحد ليصل صوت جنازير الدبابات مع ارتفاع الغبار نتيجة حركة الدبابات
ليتم وهم العدو وخداعة بأن هناك مناورة وتحرك في تلك المناطق التي يتم رصدها، وأن يكون هناك تشتيت في أمرهم وتفكير بعناية عند التحرك والاتجاه نحو قرارات خاطئة، ثم يتم انسحاب القوات تباعا ويتم ترك عدد قليل جدا يقوم بغلق الماكينات وسحبها وتحركها بهدوء لمكان آخر، وفي ذلك الوقت قامت القيادة بتحميل الدبابات وتجهيزها بسلاح يطلق عليه "سكين الحفر" حتي تقوم الدبابات بحفر الملاجئ في أسرع وقت، وتساعد في عدم إرهاق القوات في حفر الخنادق بصفة مستمرة لتكون خطة الخداع متكاملة ويتم تنفيذها في أسرع وقت ممكن، ونتسبب في تشتيت العدو أثناء رصده لعدد الكتائب المصرية وأماكن تمركزها المختلفة
خطة "المآذن العالية" استفزاز من العدو وكشف خط بارليف
استكمل المقاتل حديثه، مع تزايد العدو في تجهيز خط بارليف وزيادة ارتفاعه حتي يتحصنوا بخلفه، قمنا بعمل خطة "المآذن العالية" وهي تباب مرتفعة يتم تسويتها وتمهيدها من الأطراف بشكل شبه عمودي حتي تتمكن المعدات والدبابات من صعودها، ونكون كاشفين لخطوط العدو وتحصيناته وكل ما يحدث خلف "خط بارليف" الذي يتحصن خلفه، معتمدين علي عدم رؤيتنا لهم بسبب ارتفاعه الشاهق
بدأنا بعد ذلك استخدام "المآذن العالية" في بعض الاشتباكات واستهداف تحركاتهم من عربات مدرعة أو مشاة أو أي تسلل، فنقوم باستهدافه مباشرة من النقاط المرتفعة وهي " المآذن العالية"، وكانت هناك استفزازات من جنود العدو، حيث يقوموا بالإشارة إلينا بعلامة النصر، وكان ذلك يثير غضب قواتنا ولولا الانضباط والالتزام بالتعليمات من القادة لفلتت الأمور من بعض الأشخاص في صفوفنا واشتبكوا مباشرة، ولكننا كنا ملتزمين ونتمتع بضبط نفس عالي.
قسم التحرير والتحرك للعبور وأسر "عساف ياجوري"
يقول المقاتل محمد: الأمر كان صعبا لكنه جيد وكانت مشاعرنا وأجسادنا تنتظر اللحظة التي نقوم بالاشتباك معهم، حيث عاهدنا الله أن نكون علي قدر المسئولية ونستعيد أرضنا وكرامتنا، وكنا دائمين لترديد "قسم التحرير"، حيث نردد دائما في طابور التمام: نقسم بالله العظيم بأننا قد عقدنا العزم علي تحرير أرضنا المغتصبة مؤمنين بالله والوطن وعدالة قضيتنا مؤمنين بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة سبيلنا هو الجهاد المقدس شعارنا هو النصر أو الشهادة".
بالفعل نفذنا القسم والعهد مع الله، وجاءت ساعة الصفر ووقت العبور، واليوم المعهود يوم النصر العظيم 6 أكتوبر 1973، وشاهدنا الطيران المصري فجأة بدون سابق إنذار يوجه ضرباته القاسية نحو العدو خلف "خط بارليف الحصين" وفي هذه اللحظة تحركت جميع القوات، وبدأت قوات المشاة لتجهيز القوارب المطاطية تحت صيحات "الله أكبر"، وتحرك المهندسين العسكريين بمواتير المياه وفتح ثغرات في خط بارليف لمرور الدبابات والمدافع المجرورة والمعدات العسكرية المصرية، لنبدأ معركة الكرامة واسترداد الأرض، وقتها علمت أنه تم آسر شخص من قوات العدو الإسرائيلي، وهو "عساف ياجوري" والذي تمكنت قوات الفرقة الثانية مشاة المجاورة لنا بقيادة اللواء "حسن أبو سعدة" من آسره
عبور وهزيمة ساحقه رغم استخدام العدو الإسرائيلي أسلحة محظورة
ومع عبورنا للقناة وأيضا "خط بارليف" والدخول لأكثر من 8 كيلومترات في أرضنا المحتلة، كان المنظر مهيب وقوي يدل علي شجاعة المقاتلين المصريين، بدأ العدو يغير من خطته، ودعم الغرب وأمريكا لهم بمعدات عسكرية قوية وحديثة، وبدأ العدو في محاولة إيقاف قوات المشاة والمدرعات، بشتي الطرق لكن عزيمة المصريين والقسم والعهد أمام الله كان أقوي بكثير
حاول العدو القضاء علينا من خلال استخدامه لأسلحة محظورة، مثل القنابل العنقودية، التي تسقط علينا ثم تنشطر نصفين، وتنتشر كحبيبات الرمان، لتفضي علي قواتنا، وذلك بعد رؤيتهم لقوات المشاة يهرولون علي أرجلهم بجوار الدبابات وبسرعتهم، ثم يتسلقون علي جانبي الدبابات وهي منطلقة في بعض الأوقات، ما جعل العدو يستخدم القنابل العنقودية المحظورة، حتي يعيق تقدمنا للأمام، لكن بقدرة الله ورجالنا الأشداء البواسل لم يتردد فردا واحدا منا أن يتقدم للأمام، ولم يوقفنا أي شئ خلال الاشتباكات العسكرية طوال مدة الحرب، ولم ينقذهم من أيدينا إلا اتفاقية السلام التي تم توقيعها فقط، لتعود أرض مصر بسلام وأمان لأحضاننا مجددا بكرامة وعزة ودرسا قاسيا للأعداء بأن مصر لها درعا وسيف يقطع الأعداء.

مقاتل محمد نصر من لواء النصر يروي تفاصيل الإستعداد ليوم النصر

علامة النصر لأحد أبطال أكتوبر 1973

عبور جسور تحرير شهادة مشاركة المقاتل في نصر أكتوبر

صورة مقاتل محمد نصر من لواء النصر

شهادة من لواء النصر للمقاتل في نصر أكتوبر

تكريم أهل البلد لأحد أبطال نصر أكتوبر العظيم

بطل من لواء النصر يروي استفزازات الإسرائيلين قبل الحرب