لم تكن تتخيل أن تتحول من أم بديلة حنون إلى قاتلة تنتظر المشنقة، ولم يكن هو أيضاً يتصور أن زوجته التي أحبها وأكرمت أبناءه تُتهم بجريمة لم يرتكبها أحدغيرها، بحسب ما أكدته التحقيقات آنذاك، لكن رغم أن المحكمة قالت كلمتها، ظل الزوج يحمل في قلبه شكاً كبيراً، ورفض أن يسلم بأن من كانت أماً لطفليه يمكن أن تضع السم في طعامهم، أو أن تنهي حياتهم بدم بارد.
بدأت الحكاية حين فقد الرجل طفليه واحداً تلو الآخر، مات الأول فجأة، ثم تبعه الآخر بعد شهرين فقط، لم يكن هناك تفسير واضح، لكن أصابع الاتهام سرعان ما اتجهت إلى الزوجة الجديدة، تلك التي دخلت حياتهم بعد طلاقه من أمهم الأولى، لم يكن لديه دليل على براءتها، لكن قلبه كان ممتلئاً بالإيمان بها.
في ظل انهياره التام، لم يجد الرجل أمامه إلا أن يتوجه إلى أحد كبار القانونيين في مصر، الدكتور محمد بهاء الدين أبو شقة.
ذهب إليه متوسلاً، لا لإنقاذ زوجته فقط، بل لإنقاذ الحقيقة نفسها، قرأ أبو شقة أوراق القضية، ودقق في التحقيقات، حتى عثر على ثغرات قانونية أعادت الأمل، كتب مذكرة النقض، وقبلتها المحكمة، أُعيدت المحاكمة، وعادت معها القصة إلى بدايتها.
حكى الزوج للقاضي كيف بدأت حياته السابقة، كان متزوجاً من امرأة أخرى، وكان يسافر يومياً للعمل ويعود ليجد أبناءه بخير، لكن شيئاً ما تغير، بدأ يلاحظ تصرفات مريبة، استعان بابنيه، فاعترفا له أن أمهما تستقبل رجلاً غريباً أثناء غيابه.
لم يصرخ، لم يضرب، لم يفضح، كل ما فعله أنه طلقها، بهدوء، حتى لا يحرم الطفلين من والدتهما، أو يدفعهما للضياع في حال ارتكب جريمة قد تودي به إلى حبل المشنقة.
بعد الانفصال، قرر أن يمنح نفسه وأبناءه فرصة جديدة، تزوج من سيدة أخرى، وجد فيها الحنان والرحمة، احتضنت الطفلين، عاملتهما كأم حقيقية، وكانت تسهر على راحتهما، لم يشعر الطفلان يوماً أنها غريبة عنهما، بل بادلاها الحب والود، كما لو كانت والدتهما.
لكن تلك السعادة لم تدم طويلاً، مات أحد الطفلين فجأة، لم يُعرف السبب، وبعد شهرين، تبعه الآخر، مات الحلم، وماتت معه كل لحظة فرح عاشتها تلك الأسرة الصغيرة.
كانت الصدمة مضاعفة، خاصة حين تم القبض على الزوجة الجديدة بتهمة قتل الطفلين، وصدرت ضدها أحكام قاسية، حتى وصلت إلى الإعدام.
مرت الأيام ثقيلة، والزوج يتمزق بين حزنه على ولديه، ويقينه ببراءة زوجته، لم يتوقف عن البحث، ظل يراجع أوراقهم، كراساتهم المدرسية، ألعابهم القديمة، وكأنه يبحث عن شيء يطمئنه، أو يثبت له أن ما حدث لم يكن بفعل من أحب.
وفي أحد دفاتر المدرسة، وبين أوراق اللغة العربية، وجد موضوع تعبير لأحد الطفلين، كتبه في مناسبة عيد الأم، كتب فيه عن حبه الكبير لزوجة أبيه، واشتكى من برودة مشاعر أمه الحقيقية، وابتعادها عنه، كانت كلمات صادقة، لم يكن يقصد بها أكثر من التعبير عن مشاعره، لكنها كانت الخيط الذي أعاد فتح الملف.
عرض الزوج هذه الورقة على أبو شقة، الذي قدمها للمحكمة كدليل على أن الطفلين لم يكونا في حالة خصومة أو كراهية مع زوجة أبيهما، بدأ الشك يتسلل من جديد إلى القلوب تم إعادة التحقيق، ومن هنا بدأت الحقائق تظهر.
تتبعت جهات التحقيق كل التفاصيل من جديد، حتى اكتشفوا أن الأم الأولى هي من قتلت، لم تكن تنوي قتل الطفلين، بل كانت تحاول تسميم الزوجة الجديدة، فأرسلت لهم حلوى مسمومة. أكلها الطفل الأول ومات، وظن الجميع أن الأمر قضاء وقدر، وعندما لم تنجح المحاولة الأولى، قتلت الطفل الثاني بوسيلة أخرى، حتى تُفسر الوفاة بأنها مرتبطة بالأولى، وتُثبت للعالم أن الزوجة الثانية هي القاتلة.
انكشفت الجريمة، تم القبض على الأم الحقيقية، وأُطلق سراح الزوجة الثانية.
انتهت القصة، لكن آثارها لم تنتهِ بعد، فرغم مرور السنوات على الجريمة، ما زالت تروى على ألسنة من تابعوها، لتذكرنا أن الظلم لا يدوم، وأن العدل قد يتأخر، لكنه لا يغيب، لقد أنقذت ورقة صغيرة من دفتر طفل بريء امرأة من الموت، وأعادت الحقيقة إلى مكانها، بعد أن كانت على وشك الضياع.