في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، تتجه أنظار العالم بأسره إلى مدينة شرم الشيخ، حيث تستضيف مصر قمة دولية غير مسبوقة تحت عنوان "قمة شرم الشيخ للسلام" بهدف إنهاء الحرب الدائرة في قطاع غزة وفتح صفحة جديدة نحو الاستقرار الإقليمي.
القمة التي تنطلق غدا الاثنين، برئاسة مشتركة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تُعد واحدة من أبرز الأحداث السياسية والدبلوماسية في السنوات الأخيرة، وتأتي لتؤكد من جديد الدور المحوري الذي تلعبه مصر في صناعة السلام وضبط بوصلة الأمن الإقليمي.
وتحمل هذه القمة طابعًا استثنائيًا، ليس فقط بسبب توقيتها الحساس الذي يأتي في ظل تصاعد العمليات العسكرية في غزة وسقوط آلاف الضحايا، ولكن أيضًا لأنها تجمع على طاولتها أكثر من عشرين قائدًا وزعيمًا من مختلف دول العالم، في مشهد دبلوماسي تتسارع أنفاس المتابعين لمشاهدته لحظة بلحظة.
الجميع ينتظر ما يمكن أن ينتج عن هذا اللقاء المهم، من قرارات حاسمة وتحركات فعلية لإنهاء العنف نحو سلام دائم في الأراضي الفلسطينية.
الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يقود تحركات دبلوماسية نشطة منذ اندلاع الحرب الأخيرة في غزة، يبعث برسالة واضحة للعالم مفادها أن مصر لن تتخلى عن دورها التاريخي في حفظ أمن واستقرار المنطقة، فعلى مدار عقود، لم تغب القاهرة عن مشهد الوساطة أو محاولات إعادة التوازن السياسي والأمني في الشرق الأوسط، واليوم تؤكد من جديد أنها لا تزال مركزًا لحلول الأزمات وصناعة التوافقات الكبرى.
من جانب آخر، تأتي هذه القمة في إطار رؤية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتفعيل مسارات السلام في المنطقة، فالإدارة الأمريكية تسعى إلى توظيف ثقلها السياسي لحلحلة الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية، ومنع الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة قد تطال دولًا أخرى في الشرق الأوسط.
كما تهدف واشنطن إلى ترسيخ موقعها كوسيط دولي يحظى بثقة الأطراف كافة، وهو ما جعلها تشارك بقوة في التحضير للقمة التي تُعقد على أرض السلام في شرم الشيخ.
مصر، وهي تستضيف هذا الحدث الدولي الكبير، تبعث للعالم برسائل متعددة الأبعاد، فهي تؤكد من جهة أنها لا تزال تملك مفتاح الحل في قضايا المنطقة، ومن جهة أخرى تثبت أنها قادرة على جمع الفرقاء وتوحيد الصفوف في زمن كثرت فيه الصراعات والتجاذبات، وفي وقت تفرّق فيه الحروب الشعوب والحدود، تبقى مصر قادرة على الجمع بين الخصوم وصناعة مساحات مشتركة للحوار.
وتحمل شرم الشيخ رمزية خاصة في هذا السياق، فهي لم تكن يومًا مجرد مدينة سياحية، بل تحوّلت عبر السنوات إلى منصة دولية للحوار والسلام، تستقبل القادة وتستضيف القمم الكبرى التي تغيّر مسارات السياسة الإقليمية والدولية، وما انعقاد هذه القمة على أرضها سوى امتداد طبيعي لدورها الذي ترسّخ في العقل السياسي العالمي كمكان لصياغة التوافقات وتهدئة النزاعات.
القمة التي تُعقد غدًا ليست مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل لحظة تاريخية تحمل معها آمال ملايين الأبرياء الذين يدفعون ثمن الحرب في غزة من دمائهم وأرواحهم، الآباء الذين فقدوا أبناءهم، والأمهات اللواتي يعشن على أنقاض منازلهن، والشعوب التي فقدت الأمل في وقف القتال، جميعهم يترقبون هذه القمة كفرصة أخيرة لإعادة الأمل وإحياء فكرة العدل والسلام في الأرض المقدسة.
ومن المهم التأكيد أن القمة تأتي أيضًا تتويجًا لجهود سياسية ودبلوماسية مصرية حثيثة تمثلت في التواصل المستمر مع جميع الأطراف، والسعي الدائم لإقناع المجتمع الدولي بضرورة التدخل لإنهاء القتال، ولم يكن من السهل جمع هذا العدد من القادة في ظرف زمني قياسي، إلا عبر جهد سياسي محوري تتحرك به القاهرة على كافة المستويات.
الملف الفلسطيني ظل دائمًا على رأس أولويات السياسة الخارجية المصرية، واليوم تقدم مصر خطوة إضافية في مسار الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتؤمن بأن الحل السياسي العادل هو الضامن الوحيد للاستقرار الدائم.
من حق المصريين اليوم أن يفخروا بما تحقق، ومن حقهم أن يشعروا بأن دولتهم تعود بقوة إلى قلب المشهد العالمي، لا كطرف هامشي، بل كقائد حقيقي يحمل رسالة واضحة عنوانها أن السلام هو الحل، وأن الدماء يجب أن تتوقف، وأن الأمل لا يجب أن يُدفن تحت أنقاض الحروب.
وغدًا، حين تنطلق قمة شرم الشيخ للسلام، سينظر العالم إلى مصر لا فقط باعتبارها بلد التاريخ والحضارة، ولكن كصاحبة دور إنساني وسياسي في إعادة الاتزان لعالم يعاني من فوضى الحروب وتوحش الأزمات، فمصر التي أنارت دروب الحضارة قبل آلاف السنين، تضيء اليوم شمعة في ليل الشرق الأوسط المعتم، وتمنح الأمل لشعوب تبحث عن الخلاص.