تتجه الأنظار إلى العاصمة الأوزبكية سمرقند في السادس من نوفمبر المقبل، حيث يُصادق المؤتمر العام لليونسكو رسميًا على تعيين الدكتور خالد العناني مديرًا عامًا جديدًا للمنظمة الدولية، خلفًا للفرنسية أودري أزولاي، وذلك بعد أن صادق المجلس التنفيذي على ترشيحه في وقت سابق.
ويُعدّ هذا الإجراء شكليًا في العادة، إذ لم يسبق أن خالف المؤتمر قرار المجلس التنفيذي، وسيصبح العناني، الحاصل على شهادة في علم المصريات من جامعة مونبيلييه — أول مدير عام عربي لليونسكو، وثاني إفريقي يتولى المنصب بعد السنغالي أمادو محتار مبو الذي شغله بين عامي 1974 و1987.
منظمة تواجه مرحلة إعادة تقييم
يتسلم العناني قيادة منظمة تمرّ بمرحلة إعادة تقييم عميقة، بعد موجة من الانتقادات خلال الأشهر الماضية، اتُّهمت فيها اليونسكو بأنها أصبحت "مسيّسة"، وتراجع دورها كمرجعية ثقافية وعلمية مستقلة.
وتفاقمت الأزمة عقب انسحاب الولايات المتحدة رسميًا من المنظمة في يوليو 2025، في خطوة وُصفت بأنها ضربة قوية لمكانة اليونسكو المالية والدبلوماسية.
وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد اتهمت المنظمة بالتحيّز ضد إسرائيل والترويج "لقضايا اجتماعية مثيرة للانقسام"، إلى جانب دعمها "رؤية أممية" لا تتماشى مع سياسة "أمريكا أولًا".
أزمة تمويل تهدد استمرارية البرامج
يمثّل تراجع التمويل أحد أبرز التحديات التي تواجه المدير العام الجديد. فانسحاب الولايات المتحدة حرم المنظمة من نحو 8% من ميزانيتها الإجمالية، كما تراجعت مساهمات بعض الدول الأوروبية التي فضّلت توجيه إنفاقها نحو الدفاع والتسلح.
وأكد العناني للصحفيين أن الموازنة ستكون أولوية قصوى في عمله، مشيرًا إلى أنه سيعتمد على مقاربة مزدوجة لإعادة بناء القاعدة المالية للمنظمة:
أولًا: جذب مزيد من المساهمات الطوعية من الحكومات، من خلال آليات جديدة مثل نظام مبادلة الديون.
ثانيًا: توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، بما يشمل المؤسسات والشركات والجهات الراعية، موضحًا أن مساهمات هذا القطاع شكّلت نحو 8% من ميزانية 2024، وهناك مجال كبير لزيادتها.
أولويات المرحلة المقبلة
أوضح العناني أنه يسعى إلى "إعطاء الأولوية للمداولات التقنية بدلًا من تسييس المنظمة، وبناء تفاهم دولي يحافظ على اليونسكو كفضاء للتقارب والحلول المشتركة".
ويضع ضمن مهامه الأولى:
- مواصلة برنامج اليونسكو في حفظ التراثين المادي واللامادي.
- إطلاق مبادرات جديدة تعزز حضور المنظمة دوليًا.
- إيجاد تمويل مستدام على خطى المديرة السابقة أودري أزولاي التي نجحت في إعادة الولايات المتحدة إلى المنظمة عام 2023.
كما شدد العناني على أهمية إبراز الدور الإنساني لليونسكو، قائلًا:
"أريد أن أُبيّن أن لليونسكو تأثيرًا ملموسًا على حياة الناس. فالمنظمة لا تُعنى فقط بالتراث الثقافي، بل تهتم أيضًا بالتعليم في مناطق الطوارئ، وحماية الصحفيين وحريتهم، ودعم مكانة المرأة في العلوم."
نحو مرحلة جديدة من الحضور العربي في المؤسسات الدولية
يمثل تعيين خالد العناني خطوة تاريخية للحضور العربي في المنظمات الدولية، إذ يأتي في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى صوت متوازن داخل المؤسسات متعددة الأطراف.
ويُنظر إلى العناني بوصفه شخصية تجمع بين الخبرة الأكاديمية والإدارية، وقادرة على إعادة بناء الثقة الدولية في اليونسكو، وسط عالم يشهد انقسامات ثقافية وسياسية متسارعة.