اعتدنا خلال السنوات الماضية أن نطلق على المخرج المبدع خالد جلال لقب "مكتشف النجوم"، وكثيرًا ما كان يحلو لي أن أقول إنه "نجيب الريحاني الجيل". فالحالة الفنية التي يجسدها خالد جلال لا نجد لها شبيهًا في تاريخنا الفني إلا عند نجيب الريحاني، الذي كان هو ومسرحه الحاضنة الكبيرة التي نمت بداخلها غالبية المواهب الفنية في مصر خلال القرن الماضي. لكن خالد جلال، في النسخة الأحدث من إبداعه، وأقصد بها مسرحية “حاجة تخوف” التي تُعرض الآن على مسرح مركز الإبداع، يقدم نفسه ليس باعتباره مكتشف النجوم فحسب، بل مكتشف أوجاع المجتمع المصري أيضًا، وهو أمر يتجاوز حالة الإبداع الأدائي إلى حالة الإبداع الرؤيوي.
في "حاجة تخوف"، يتعمد خالد جلال أن يخيفنا فعلًا، ففي البداية يقدم لنا مقدمة مسرحية موحية، عن طريق موقف ملتبس يقع فيه بعض التائهين في الصحراء الذين لا يجدون إلا قصرًا مهجورًا ليبيتوا فيه، ثم يصطحبهم الحارس إلى داخله ليقابلوا أهل القصر، الذين يحذرونهم في البداية من النظر إلى المرايا الموجودة في القصر. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: ترى، ماذا سيرون إذا نظروا؟
من خلال هذا الموقف، يبدأ كل واحد من الذين دخلوا القصر في مخالفة التعليمات وينظر في المرآة. والمفاجأة تكمن في أنهم لا يرون شيئًا غريبًا أو مفزعًا، وإنما يرون أنفسهم وخبايا نفوسهم. وهو ما نكتشف أنه مخيف حقًا. فكل واحد يحمل في طياته سرًا أو مأساة، وهي في الحقيقة صورة من صور التشوه الذي نعيشه في هذا العصر. لندرك أن خالد جلال يتلاعب بنا، فهو لم يستعرض أسرار الشخصيات التي دخلت القصر، لكنه يضع أمامنا عيوبنا التي انتشرت خلال السنوات الماضية.
في كلاسيكيات النقد المسرحي، تُعرف هذه الحالة باسم "التطهير". أصولها تعود إلى رصد أرسطو للحالة التي تنتاب من يشاهد التراجيديات، حيث يكتشف ما بها من مآسٍ وما بالأبطال من عيوب وآفات، فيخرج من المسرح وقد تطهر من هذه العيوب بعد أن رأى مصير أبطالها. لكن على ما يبدو، فقد استخدم خالد جلال هذا المبدأ معكوسًا. فالتطهير عنده صار “تأثيمًا”. وبشكل أو بآخر، يخرج المشاهد من المسرحية وقد شعر أنه هو الذي أذنب، ولو حتى بالصمت.
في استعراض الأبطال لآفاتهم التي تظهر في المرآة، نرى غالبية شرور عالمنا، لنوقن تمامًا بأننا “حاجة تخوف”.
هذا العصر الذي لا يؤمن بالانتماء، ويستخدم أبشع ما في وسائل التواصل الاجتماعي، وصار فيه أكل الحقوق طبعًا، واختل فيه ميزان الحق فلم نعد نعرف الحق من الباطل. وتزيّا فيه النفاق بزي ملاك جميل، على حد قول صلاح عبد الصبور. ولم تُراعَ فيه قداسة العلاقة بين الأب والابن أو الأم والابن، وصارت الأمور المادية أهم وأبقى عند الجميع من أي شيء. وانعدم الأمن والأمان في العالم، وصار البشر يبثون سمومهم في حياة الآخرين دون هوادة. وأصبحت التجارة في كل شيء مباحة، حتى في أعضاء أجساد الأهل والمساكين. وصار عشق الشهرة والظهور سرطانًا يأكل الجميع، وتصارع الجميع على كل شيء وأي شيء، حتى صار الصراع أمرًا مألوفًا، واختفت السماحة والمحبة والود.
أرسل خالد جلال في هذه المسرحية، التي تنتمي إلى عالم الكوميديا السوداء، رسالته كاملة دون نقصان. لوحة بعد لوحة، يزيد الألم. لوحة بعد لوحة، تتضح الصورة. فنرى أنفسنا وكأننا أبطال لإحدى لوحات فرانشيسكو جويا: الأب يأكل ابنه، والأخ ينتهك أخته، ويعم الظلم، وينتشر الظلام. وقد استعان خالد جلال بكل العناصر الفنية المصاحبة بإجادة تامة، بداية من الموسيقى والديكور والملابس، وحتى أداء الممثلين الذين يفتحون للمستقبل آفاقًا أرحب، ويثبتون دون شك مقدرتنا على الإبهار، حتى في لحظات عدم وضوح الرؤية واختلال المعايير.
لو فتحنا قوسًا وضعنا في بدايته مسرحية "قهوة سادة" التي قدمها خالد جلال على ذات المسرح منذ خمسة عشر عامًا، سنجد أن تكملته ستكون “حاجة تخوف” التي يقدمها مركز الإبداع الآن. المسرحيتان شبيهتان بالمقدمة والنتيجة، والمنحدر والمصير، لكن للأسف، ليس للانزلاق نهاية تظهر، والهوة الأخلاقية والاجتماعية تتسع بين يوم وآخر.
شربناها “قهوة سادة” على روحنا منذ خمسة عشر عامًا، واليوم أصبحنا في “حاجة تخوف” ليطرح السؤال نفسه: وماذا بعد؟ ماذا بعد أن تشوه كل شيء، وضاعت ملامح كل شيء، وانحدرت الأخلاق إلى الحد الأقصى والأقسى؟ وهل بعد هذا التأثيم الذي رأيناه في المسرحية سنجد تطهيرًا يُذكر؟ أم أننا اعتدنا على الإثم وصار القبح أمرًا واقعًا نستنكر معه كل جميل؟
أظن أن هذه الأسئلة سيجيب عنها خالد جلال في المسرحية القادمة.