توجه «رياض باشا» رئيس مجلس النظار «الوزراء» إلى الخديو عباس الثانى ليناقشه فى مسألة قراره بنفى البابا كيرلس الخامس بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، فاحتدت المناقشة بينهما، وفقا للكاتب الصحفى صلاح عيسى فى كتابه «حكايات من دفتر الوطن».
قال رياض باشا للخديو: «أنت يا أفندينا لا تملك حق نفى فرد بسيط من الأفراد إلا بحكم من المحكمة، فكيف تأمر بنفى رئيس دينى جليل المقام يماثل بابا روما، وكيف يكون موقف سموكم لو أنه التجأ للمحاكم، فألقى الخديو بالتبعية كلها على مستشاريه من الأقباط وخاصة «بطرس باشا غالى»، وطلب من رياض باشا حل الأزمة.
عاش كيرلس الخامس «مائة وثلاثة أعوام، فهو من مواليد عام 1824، وتوفى عام 1927 وهو صاحب أطول فترة رئاسة للكنيسة الأرثوذكسية، وبدأت من عام 1874 واستمرت حتى 1927 بتأكيد الدكتور غالى شكرى فى كتابه «الأقباط فى وطن متغير»، وشهدت رئاسته للكنيسة تفاعلا كبيرا منه مع القضايا الوطنية، يذكرها صلاح عيسى قائلا: «كان فى الذاكرة الشعبية هو الرجل الذى أسهم بفعالية خلال الثورتين الكبيرتين 1882 و1919، فى صياغة موقف الأقباط، ففى الثورة العرابية، قام بالتوقيع على القرار الذى صدر عن الاجتماع الوطنى فى حضور عرابى وبدعوة منه بالاستمرار فى المقاومة المسلحة للاحتلال البريطانى، ورفض أوامر الخديو ومجلس وزرائه بالانضمام إلى الاحتلال، كما كانت له مواقفه الوطنية المشهودة أثناء ثورة 1919.
وبالرغم من هذا التاريخ الوطنى فإن الخديو عباس الثانى قرر عزله من رئاسة الكنيسة ونفيه إلى دير البير موسى، ونفى مطران الإسكندرية الأنبا يؤانس إلى دير الأنبا بولا يوم 27 أغسطس 1892، ويؤكد «عيسى» أن هذا القرار أثار اهتمام المصريين، كما أحدث أزمة كبيرة بين المسيحيين.
يوضح غالى شكرى طبيعة هذه الأزمة، مشيرا إلى أن الخديو إسماعيل أمر بتشكيل أول مجلس ملى للأقباط فى فبراير 1874، وبعد ثمانى سنوات من تشكيله لم ينجز هذا المجلس شيئا، فصدر قانون مايو 1882 فى ظل احتدام الثورة العرابية بتحديد العلاقة بين المجلس الملى والكنيسة.
وتكون المجلس من أعضاء علمانيين لرعاية الشؤون المدنية للكنيسة كالأوقاف والمدارس والمطابع وسجلات الزواج والتعميد والوفيات والانفصال الجسدى والطلاق والوصايا والميراث، وفى منتصف 1891 طلب بعض أعيان الأقباط من البابا كيرلس تجديد تشكيل المجلس وإحيائه فرفض، مؤكدا أن «لائحة المجلس تجافى قوانين الكنيسة، وصدر بيان من كبار رجالها بأن المجلس يسلب حقوق الكنيسة، وقام كيرلس بتسليم البيان إلى الخديوى توفيق شخصيا.
يؤكد «غالى» أن بطرس باشا غالى كان هو المحرك لحركة «المجلس الملى، وكان وكيلا للوزارة ثم وزيرا فرئيسا للوزراء، وفى صيف 1892 توجه إلى الإسكندرية للقاء الخديو عباس الذى بدأ حكمه فى يناير فى نفس العام، وناشده بإعادة تشكيل المجلس فصدرت الأوامر، وفى حراسة الشرطة جرت الانتخابات ونجح فيها «غالى»، لكن «البابا» رفضها، واعتبرها «خروجا على تعاليم المسيحية»، واتهم أطرافها بأنهم «يهدفون إلى سلب أموال الكنائس والأديرة وتفريق أبناء الملة»، ومضى البابا فى معركته حتى قرار عزله ونفيه.
يذكر صلاح عيسى دراما ترحيل البابا إلى المنفى، مشيرا إلى تجمع الناس حزانى وهم يرون حبرين جليلين «البابا والأنبا يؤانس» فى حراسة الشرطة، وفى محطة دمنهور نزل البابا ليستقل قطارا إلى كفر الدوار فقابلته جماهير المسلمين والأقباط بالهتاف والتحية، وتقدم منه حمزة بك شيخ مشايخ عربان البحيرة، ووضع نفسه فى خدمته وقام الجميع بتقبيل يده وهم يبكون.
غضب المسيحيون مما حدث لرمزهم الدينى الأول، فهجروا كنائسهم، وحسب عيسى: «عند الاحتفال بعيد الصليب لم يحضر فى كنيسة الملاك البحرى سوى ستة أشخاص، مع أن العادة جرت بأن هذا العيد مهرجان ضخم تمتلئ فيه هذه الكنيسة بالآلاف، وفى هذا العيد لم يذهب الناس كعادتهم إلى دير العريان بالمعصرة لذبح الذبائح، وأقفلت الكنائس تماما ككنيسة الزقازيق، ونضبت إيرادات البطريركية».
تغيرت وزارة مصطفى فهمى باشا، التى وقعت الأزمة فى عهدها، وجاء رياض باشا رئيسا للحكومة الجديدة، وحسب عيسى: «كان أول ما فعله أن استدعى رؤساء الطائفة القبطية وناقشهم فى الأمر، ثم توجه إلى الخديو عباس الثانى وناقشه، وفى المناقشة ألقى الخديو باللائمة على مستشاريه الأقباط وخاصة بطرس غالى باشا، وطلب من رياض حل الأزمة، وبعد مناقشات مرهقة توصل «رياض إلى حل قدمه له قلينى فهمى باشا، بأن يتقدم المجلس الملى بالتماس إلى رئيس الوزراء يرجو فيه الحكومة إعادة البابا لمنصبه، وأن يعد استقبال طيب للبطريرك ويمنح الخديو «الوشاح المجيدى» أكبر وسام، وبالرغم من معارضة البابا لهذا الحل إلا أن الخديو أصدر قراره بالعفو عن البابا والأنبا يوأنس يوم 31 يناير، مثل هذا اليوم، 1893 بناء على التماس المجلس الملى.