في قلب غزة، حيث تلتقي معاناة الشعب الفلسطيني مع آلام الحرب، عاش سائد أبو عيطة، الكاتب الفلسطيني المختص في التاريخ والسياسة، لحظات لم يكن في حسبانه أن يكتب عنها، بل أن يعايشها، بعد أن كانت غزة ملهمة له ولأفكاره، جاءت الحرب في أكتوبر 2023 لتقلب حياته رأسًا على عقب، لتسلبه الكثير وتتركه يحمل بقايا من عائلته وأحلامه المدمرة بحثًا عن الأمان.
سائد، كان أحد المدافعين عن العدالة الإجتماعية والإنسانية، أصبح الآن شاهدًا على المأساة الحقيقية، شريكا في سرد قصص النزوح، والفقدان، والألم في قلب المعارك، بين الخيام والشوارع المدمرة.
يُعرف "سائد" بمساهماته الأدبية والفكرية العميقة في قضايا سياسية وثقافية، فهو ابن غزة الذي حمل على عاتقه هموم قضايا الإنسان في فلسطين طوال سنوات من معاناته، كتب عن الحرية والعدالة الاجتماعية وحارب بقلمه لأجل حقوق الفلسطينيين على مر السنين، وجد نفسه بعد الحرب الأخيرة في غزة، ضحية لمأساة طالت كل من حوله.
بدأت معاناة سائد في الرابع عشر من أكتوبر 2023، بعد أن تعرض منزله في منطقة شمال غزة لقصف جوي عنيف، فقد خلال هذا الهجوم، الذي دمر الحى السكني فقد طفلتيه "ميرا وتالا"، ووالده، وزوجة أخيه، بالإضافة إلى عدد من أفراد عائلته، كانت تلك اللحظات هي بداية مرحلة جديدة من التشرد والدمار لسائد الذي فقد أسرة كاملة بينما كان يصارع لإبقائه على قيد الحياة.
على الرغم من إصابته الشديدة التي أدت إلى كسور وحروق في جسده، لم يتوقف سائد عن الكتابة، وقام بتأليف كتاب "كتابة خلف الخطوط الجزء الثاني"، الذي صدر خلال فترة الحرب عن وزارة الثقافة الفلسطينية، وحمل سردية أدبية مبدعة تتحدث عن وقائع الحرب بشكل إنساني بعيدًا عن السياسة، وتعبّر عن معاناة سائد وكافة الفلسطينيين الذين يعيشون في قلب هذه الكارثة.
مع كل يوم في الحرب، كان سائد وأسرته ينزحون من مكان لآخر، انتقلوا من غزة إلى خانيونس، ثم إلى رفح، ومن هناك إلى دير البلح، ومناطق أخرى في القطاع، بحثًا عن مكان آمن ولو مؤقتًا، وكان سائد يسعى دائمًا لضمان بقائه على قيد الحياة، وعلى قيد الأمل أيضًا.
المعاناة لم تكن فقط جسدية، بل شملت أيضًا التأثيرات النفسية والروحية، فالدمار الذي حلّ بمنازل سائد، وفقدان أسرته، وتدمير طفولته وأحلامه المستقبلية، جعلت من حياته أكثر صعوبة، وفيما كان يسعى للعلاج في المستشفيات الفلسطينية مثل مستشفى ناصر في غزة ومستشفى أبو يوسف النجار في رفح، كانت فرض التهجير القسري تزيد من حجم المعاناة.
وقال سائد: "في بداية الإصابة، لم أكن استطيع الرؤية بسبب تضرر عيني، لكنني اعتمدت على طفلي محمد ليأخذني إلى المستشفى"، وكانت رحلة العلاج بمثابة تحدٍ مستمر، ففي كل مرة كان ينتقل فيها إلى مستشفى آخر أو إلى مدينة جديدة، كان يأمل في أن يجد الراحة، إلا أن الحرب كانت تلاحقه، لكن ذلك لم يمنعه من السعي للمساعدة الإنسانية والمطالبة بحقوق النازحين في قطاع غزة.
الحديث عن والدته التي عانت من مرض القلب وأزمة نفسية جراء فقدان عائلتها في بداية الحرب، يملأ قلب سائد بالحزن، فقدت والدته معظم أفراد عائلتها من الأبناء والأحفاد، وكان سائد يحرص على توفير الأدوية لها، رغم الظروف الصعبة.
أما زوجته، فكانت شريكته في رحلة الألم، تحمل عنه العبء الكبير وتساعده في التنقل وجمع الطعام والمياه لمسافات طويلة.
أما عن أطفاله، فقد مروا بتجربة قاسية جعلتهم يتوقفون عن التعليم ويشاركون في الأعمال اليومية الشاقة، ويقول سائد: "محمد كان يشارك في جمع الحطب والمياه، وكان يساعدني في السير حينما كنت عاجزًا"، وأضاف: "ريناد، التي فقدت سنة من التعليم، كانت تحاول تعلم القراءة في خيمة النزوح".
لا ينسى أبدًا الحزن على فقدان طفلتيه ميرا وتالا، اللتين قضيتا تحت أنقاض المنزل المدمر، "وينكم يا ميرا ويا تالا؟" يتساءل سائد في كل لحظة، متأملًا في الحياة التي كانت ممكنة لهن في حال لم يكن القصف قد دمر كل شيء.
ومع مرور الوقت، يواصل سائد حياته في غزة، رغم الآلام والتحديات التي يواجهها، آملا أن تعود الحياة إلى قطاع غزة وأتمكن من استكمال علاجي"، ويقول سائد وهو يتطلع إلى مستقبل بعيد عن الحرب، يأمل فيه أن يستعيد استقرار عائلته وأن يعيش في سلام.
سائد أبو عيطة، الكاتب الذي أصبح شاهدًا على المأساة الفلسطينية، وفي الوقت نفسه، هو الناجي الذي يحمل على عاتقه رسالة إنسانية للعالم أجمع، مفادها أن غزة، رغم كل ما مرّ عليها من آلام، ستظل صامدة وأن الإنسان الفلسطيني لا يمكن تدميره بأي شكل من الأشكال.
وفي كلمته لمصر، يقول: "مصر العظيمة وشعبها الطيب يستحقون منا كل الشكر والتقدير لما قدموه من دعم لقضيتنا الفلسطينية والإنسانية"، وأضاف أن الجهد الكبير الذي بذلته الدولة المصرية لوقف الحرب في غزة، وسعيها الجاد لإنجاح الاتفاق، كان له أثر بالغ في تخفيف معاناتنا.
ويستكمل بقوله:"كما لا يمكننا أن نغفل الدور الكبير الذي لعبته مصر في إجلاء جرحى الحرب وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة.. إننا نثمن عالياً هذا الموقف، ونتطلع إلى ما ستقدمه مصر وشعبها من دعم في المستقبل القريب لإعادة إعمار قطاع غزة، حيث بدأت التجهيزات لهذه المهمة منذ لحظة توقيع الاتفاق الأول. عاشت مصر وشعبها العظيم."

خيام النازحين في غزه

سائد ابوعيطة

سائد اثناء رحلة النزوح

في خيام النزوح

مع طفله في خيمته

من يومياته في رحلات النزوح