صحيح تم وقف إطلاق النار فى غزة، لكن من الصعب أن يتم الإعلان عن وقف الحرب أو نهايتها، وهو أمر يفترض أن تنتبه له الأطراف التى يهمها أن تنتهى الحرب، لأن هناك أطرافا من صالحها أن تستمر الحرب حتى لو التهمت المزيد من الأبرياء، ومن البداية نشير إلى أن تجار الحرب عالميا وإقليميا يرون فى النار فائدة، وتجار الحرب أغلبهم تجار سلاح أو متربحون من الصراع، ومنهم للأسف أطراف يفترض أنها داخل القضية، لكنهم ينظرون لها باعتبارها من مصادر الدخل ولا يلتفتون إلى ملايين يعيشون رعب الموت.
بالطبع فإن المتطرفين داخل الاحتلال يدعمون استمرار الحرب، ومنهم من يهدد بالاستقالة أو الانسحاب، ساعيا لكسب أصوات من مجتمع متطرف، وفى المقابل يأتى هؤلاء الذين يرون فى نهاية الحرب نهاية لمشروعهم ومصالحهم، فى كلا المعسكرين متطرفون يتربحون من الحرب، وبالرغم من أن الحرب كشفت عن ضعف وتهافت جبهات المزايدة، فإن بعض المزايدين ما زالوا يرددون بيانات خشبية وادعاءات لا علاقة لها بالواقع، وحجم الخسائر والمعاناة للناس العاديين من شعب غزة الذين هم أبطال المواجهة، الذين تحملوا كل القصف والضربات من دون أن تكون هناك أنفاق تحميهم أو أسلحة تدافع عنهم، بالفعل هؤلاء هم ملح الأرض ومن دفعوا الثمن وما زالوا، بينما تحالف مستتر لمتطرفين فى جبهات الصراع يكسبون من كل نار، التطرف يغذى بعضه وتجار الموت يتحالفون معا.
وربما لهذا نقول إن مصر وهى الطرف الذى سعى ولا يزال لوقف الحرب، وواجهت مخططات التهجير، لا تنتظر شكرا من أحد، فهى تقوم بدورها التاريخى، وتتحرك من دون أهداف سوى حماية الفلسطينيين، وآخرها واجهت مخططات التهجير والتصفية، وسعت إلى جعل القضية الفسطينية حية وقوية، تحملت مصر على مدى شهور أكاذيب الاحتلال، ومزايدات الأطفال، بل إن مصر واجهت مخطط التهجير الذى طرحه الاحتلال من خلال حلفائه، وكان هناك تنظيم الإخوان يتحالف إعلاميا تحت دعاوى إنسانية، وفى نفس الوقت ينشر الأكاذيب عن صفقات وهمية.
كشفت هذه الحرب عن تحالف الاحتلال الاستيطانى مع تنظيم إرهابى وتنظيمات معاونة والهدف تمرير مخططات التهجير، التى تصدت لها مصر من أول لحظة بل إن الدولة المصرية فى ظل انعكاسات أزمة اقتصادية عالمية كانت الأكثر تقديما للمساعدات إلى غزة، وأول من فتح الحدود لاستقبال الجرحى وعلاجهم، وكان خطاب الرئيس السيسى حاسما ضد التهجير والتصفية، ورفضا لصفقات وإغراءات ضخمة .وفوق ذلك كانت الهدنة مصحوبة باستمرار الحديث عن مؤتمر اعادة الإعمار لغزة، مع الدفع بقضية الدولة الفسطينية إلى المقدمة وأمام العالم وهو جهد أثمر اعترافات كثيرة تتضاعف فى مواجهة محاولات الاحتلال إزاحتها والتغطية عليها.
ومن هنا يمكن تفهم رسائل الرئيس السيسى فى احتفالات عيد الشرطة، والتأكيد على مبدأية دور مصر ومساندتها للقضية، والواقع أن مصر كانت الخاسر الأكبر من صواريخ الحوثيين التى لم تؤثر فى الاحتلال وأدّت لخسارة مصر 7مليارات من عوائد قناة السويس.
ومن هنا يمكن النظر إلى الفرق بين خطابات تهديد ساذجة تذهب إلى غير طريقها، تماما مثل بيانات تتوجه الى أطراف ثبت تراجعها وانسحابها من المشهد، مقابل صفقات أو ثغرات.
ومن البداية بدت غزة جزءا من جبهة المواجهة، وانتهت إلى تأثيرات غيرت ولا تزال تفاصيل العلاقات والتوازنات فى منطقة ملتهبة بطبعها، وظهرت انعكاساتها فى جبهات إيران ولبنان وسوريا، بينما بقيت مصر وسط كل هذا الصراع قادرة على التوازن والاستقرار، والدفاع عن فلسطين وغزة، حتى أوقفت الحرب مثلما كان دورها دائما، وهى حرب بدأت ولم تنته بعد، وهناك أطراف تستعد لصراع ومعارك حول الإعمار، ومساعى توحيد الفلسطينيين وهو أمر تدفع له مصر وتدافع عنه لأنها الطرف الذى يعمل علنا، وهناك تفاصيل فى جبل الجليد الغاطس، تؤكد من يدعم ومن يتاجر ويزايد.

مقال أكرم القصاص