هل بإمكان نعشٍ أن يتّسع لجسدين؟
هذا كل ما استطعت التفكير فيه حينها وهي تراه يبتعد شيئا فشيئا محمولا على الأكتاف ... وجحظت عيناها لتلك الحقيقة...
لكن ما تعريف الحقيقة ؟...يقولون إن من سبق له أن احترق لن يحترق ثانية...
هُراء!!!
ها هي تحترق بلا توقف حاملة كل خطايا العالم بين كتفيها... أيعقل أن يكون هذا عقاب من الله؟
ربما..لا أحد يعلم...
لكن لما قد يعاقبها الله بأكثر شيء تحبه؟
استطاعت أن تخرج على قيد الحياة من كل موتٍ واجهته... أو هكذا ظنت... بل إنّ كل ما حسبته موتاً قبل هذا اليوم كان سعادة بلون السّماء مقارنةً بما يقتل خلايا قلبها الآن...
ها هو فلذه كبدها تراه يبتعد شيئا فشيئا محمولا ليس على أكتاف احبابه فقط بل على كل دموعها التي لن تنشف أبدا!
نعم !... هاهي الحقيقة تنكشف أمام عينيها أخيرا، هذا هو موتها الأول الذي لن تعود منه على قيد الحياة حتى لو أضافوا على حياتها حيواتٍ أخرى.
كان هديتها بعد ليالٍ طويلة من الصلوات و التضرّع و سنواتٍ عِجاف من العلاج ... كان هديّة من الله.. نعم! هديّة من الله !!!!
لذلك لن تقبل فكرة أنّ الله أراد عقابها مطلقا ...لن تسمح لهذه الوساوس أن تسكن رأسها ... و لكن لماذا أخذه مبكرا ...مبكرا جدا..!
هاهي تتفحص بقرنيتين متسعتين هول ما يحصل حولها ... كل الجدرانِ المحيطة بها تزداد ضيقا شيئا فشيئا .... الكل يقترب منها و يتمتم بكلمات لا تسمن ولا تغني من جوع ... كما أنها لا تستطيع سماع أي من الأصوات حولها ... كأنه شريط سينمائي صامت بالأبيض والأسود!!!
آه ... أين ذهبت بقية الألوان !!! أين تلاشت؟ .... حتى الأبيض و الأسود رفضا البقاء وأصبح كل ما تقع عيناها عليه منذ أن رحل وحيدُها يلتحف رداءًا رماديا رديئاً.. قبيحا ...قاسيا و همجياً....
أحست بإحدى الأيادي تخضّ كتفها لتعيدها إلى جنازتها الأولى و هي تردد في حيرة:
"هل بإمكانِ نعشٍ أن يتسع لجسدين؟"