إن نداء الرئيس السيسي في كلمته خلال الحدث العالمي الافتراضي قمة المستقبل تجاه تحقيق تنمية مستدامة ذات طابع عالمي دلالته القطعية تشير إلى حبه للبشرية قاطبة وحرصه على تحقيق ماهية استخلاف الإنسان في أرضه؛ فالنهضة والعمار والإعمار والتنمية أمر يخص ويرتبط ويتسق مع الطبيعة الإنسانية دون سواها، كما أن الوجدان النقي غاية ما يبهجه ويسعده أن يرى الرقي والتقدم شاملًا لمجالات التنمية بمختلف مكوناتها، وما سوى ذلك لا تقره العقول ولا تتفق معه الأذهان النقية.
وندرك تمامًا أن شراكة التنمية والعمل على تعزيزها بصورة جماعية تحقق ثمرات كبيرة يعم خيرها وفوائدها على البشرية جمعاء، ويعمل على تهيئة الجميع دون استثناء للانغماس في مسارات التنمية؛ فالحرمان والفقر يفتح دون شك مجال للخروج عن السياق، ويجعل الإنسان مهيئ للانحراف على المستويين الفكري والمادي، ويفتح مجالًا خطيرًا للصراعات والنزاعات التي تحكمها المطامع سواءً أكانت شخصية أم مؤسسية أم دولية.
نثمن رؤية فخامة الرئيس تجاه العمل الجماعي لتحقيق التنمية المستدامة؛ حيث أكد سيادته على أن العمل على إنجاز الأهداف المشتركة للتنمية المستدامة يحافظ على السلم والأمن الدوليين، وهذه رؤية من يحمل راية السلام وينوي الإعمار، وفي المقابل هناك من يرغب في التصعيد ويرى أن يخدم سياسته وأجندته ويحقق أهدافه المزعومة ويجعله يجني مكاسب على المدى القريب والبعيد؛ لكن هذا لن يحدث؛ فمن يغرس الشوك لا يجنى سواه.
ونوقن أن من يتمسك بسياج القانون ويعمل في إطاره وينادي بضرورة تنفيذ قرارات الشرعية الدولية يضمن الوصول للغايات النبيلة، وهذا ما دعا إليه الرئيس بصورة صريحة في قمة المستقبل؛ فلا ضمانة للاستقرار والسلم والأمن الدوليين بعيدًا عن هذا المبدأ الذي ينبغي العمل على ترسيخه في أذهان قادة العالم قاطبة؛ حيث إن المعالجات التي تقوم على الحروب والصراعات تورث الكراهية والتباغض من جيل لآخر، وتدمر مقومات التنمية بكل أنواعها بربوع الأوطان؛ فيصبح المستقبل محملًا بتوقعات سلبية لا تدعو للتفاؤل والرضا ولا تبشر بالاستقرار.
ولا شك أن الدول التي تعبث بمجريات ومقدرات الطبيعية وتحاول ابتاع فلسفة الانتهازية التي تستغل من خلال موقع جغرافي سوف تؤول جل محاولاتها لزوال، وعلى المجتمع الدولي أن يردع كل من تسول له نفسه التسبب في أذى الآخر، والرئيس نوه على ذلك بصورة صريحة حيث أشار سيادته إلى ضرورة التعاون الدولي للوفاء بحق الجميع للنفاذ للمياه واحترام القانون الدولي في إدارة الأنهار العابرة للحدود لضمان تحقيق التوافق بين الدول.
وما يمر به العالم من مجريات أحداث يتوجب أن تنال المراجعة والتقييم؛ فقد بدت ملامح الأنظمة المالية العالمية يحدق بها مخاطر جمة؛ فباتت التحديات تواجه ماهية بقاء الإنسان في كثير من بقاع الأرض؛ فرغم التقدم والتكنولوجيا المتسارعة التي تمخض عنها كثير من الاكتشافات المفيدة لبني البشر؛ إلا أن حالة التعاون بين الشعوب والأمم في مواجهة المخاطر ليست على المستوى المطلوب؛ لذا حث سيادة الرئيس على أهمية العمل الجاد نحو إصلاح هيئة النظام المالي العالمي وتعزيز مشاركة الدول النامية في آليات صنع القرار الاقتصادي وتقوية دور الأمم المتحدة في الحوكمة الاقتصادية الدولية، مشيرا إلى أن تعزيز جهود القضاء على الفقر والجوع عالميا ومواجهة تحديات الأمن الغذائي التي تتفاقم نتيجة عوامل متعددة على رأسها ندرة المياه.
إن كلام الرئيس الذي تمخض من القلب في الحدث الرئاسي الافتراضي "نداء عالمي لقمة المستقبل" يصل للقلب والعقل، وتتجلى قيمته من إحساس صادق لمجريات الأحداث والمسئولية الدولية، كما تدعو للأمل تجاه مستقبل تتوافر فيه مقومات العلم والتنقية المشفوعة بالابتكارات المتلاحقة على مدار الساعة؛ فرغم قتامة الوضع القائم؛ إلا أن هناك عقول تنتهج التفكير السامي والسليم والنقي والعقلاني الذي يحض على مسارات التنمية بهدف أن يعم الخير والإعمار للأرض وقاطنيها في مشارقها ومغاربها دون استثناء؛ فتلك رؤي يختص بها من يمتلكون راجحة العقل والمنطق وحسن البصر والبصيرة.
______
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر