كان الشاعر أحمد رامى، تلميذا فى السنة الأولى الثانوية، حين بدأ طريق رحلته مع «رباعيات الخيام»، للشاعر الفارسى عمر الخيام، حيث وقعت فى يده ترجمة البستانى لها فانبهر بها، وبعد سنتين قرأ ترجمة محمد السباعى لها عن الإنجليزية، ثم دخل بعد ذلك مدرسة المعلمين وأتقن الإنجليزية، وقرأ هذه الرباعيات عنها، حسبما تذكر الدكتورة نعمات أحمد فؤاد فى كتابها «أحمد رامى.. قصة شاعر وأغنية».
تذكر الدكتورة نعمات، أنه بالرغم من هذه المرات لرامى فى قراءة الرباعيات إلا أنه كان يحس إحساسا خفيا أنها فى لغتها الأصلية لا بد أن تكون أسمى من تلك النصوص التى وقعت فى يديه، وتضيف: «بعد تخرج رامى من دار المعلمين واشتغاله بالتدريس، ثم التحاقه بالعمل فى دار الكتب المصرية، وقع الاختيار عليه للسفر مبعوثا إلى فرنسا لدراسة فن المكتبات واللغات الشرقية، وسأله مدير البعثة عن اللغة الشرقية التى يفضل دراستها، فأجابه على الفور: الفارسية، مضيفا: «لأن دار الكتب فيها ألف مخطوطة بالفارسية، واللغة العربية ملأى بالألفاظ الفارسية».
كان لرامى ما أراد، ودرس اللغة الفارسية ليحقق هدفه الرئيسى وهو قراءة رباعيات الخيام، وأثناء ذلك وقعت فى يديه نسخة منها مترجمة إلى الفرنسية نثرا، لكن ذلك لم يصرفه عن تصميمه على قراءتها من أصلها أى بلغتها الفارسية، فواصل سعيه وسافر إلى برلين فى ألمانيا وغيرها من العواصم، وفقا لنعمات فؤاد، مؤكدة أن الرباعيات ظلت تخايله ويتغنى بها بينه وبين نفسه حتى اطمأن إلى إخراجها، ففعل ذلك عام 1924، وبهذا الإنجاز كان أول شاعر عربى يترجمها شعرا عن الفارسية، وتحمس لها الأستاذ سليم حسن فطبعها من «دار المعارف».
عرفت الرباعيات طريقها للغناء بعد 26 عاما من ترجمتها، بتقديمها من سيدة الغناء العربى أم كلثوم لأول مرة فى حفلة 7 ديسمبر، مثل هذا اليوم، 1950، محققة بذلك أمنية عبرت عنها وسعت إليها، وفقا لتأكيد نعمات فؤاد فى كتابها «أم كلثوم وعصر من الفن»، قائلة: «حين غنت أم كلثوم رباعيات الخيام لم يكن اختيارها ابن ساعته، ولم تكن الرباعيات جديدة عليها، بل اختارتها بعد سبق دراسة واقتناع، فقد سألتها مجلة «دنيا الفن سنة 1947 عن الشخصيات التاريخية التى تحب أن تراها على الستار الفضى، فقالت: «عمر الخيام الشاعر الذى عاش شعره نشيدا عذبا يتردد صداه فى قلب الإنسانية مئات السنين، مستمدا خلوده، وبقاءه من واقعية الشاعر وإيمانه بما يقول، فقد عاش الخيام فى شعره قبل أن ينظمه، ولذلك جاء أثرا صادقا لإنسان خبر الحياة ومارسها، وعبر عنها بكلام لا بريق فيه ولا تزويق».
كان الموسيقار رياض السنباطى هو اختيار أم كلثوم لترجمة أمنيتها، وبالفعل وضع من «الرباعيات» اللحن الذى يردده بينه وبين نفسه ويستعيده كلما اشتاق إلى عوده، وتذكر نعمات فؤاد: «وقف السنباطى فى إحدى قراءاته للرباعيات عند البيت الذى يقول: «اطفئ لظى القلب بكأس الشراب / فإنما الأيام مثل السحاب»، وكان هذا البيت أول بيت يلحنه من الرباعيات، وتضيف نعمات فؤاد: «أخذ يلحن رباعيات كثيرة مختلفة من الديوان، وظل على هذا الحال عدة شهور حتى تزوج، وذهب إلى أم كلثوم وأسمعها اللحن».
شعرت أم كلثوم بسماعها للحن السنباطى أن أمنيتها بالغناء لعمر الخيام أصبحت بين يديها، فلم تضيع الفرصة، وحسب قول السنباطى الذى تذكره نعمات فؤاد: «ليلتها لم تنم، ظلت تبحث بالتليفون عن أحمد رامى حتى جاء إلينا، واختار من الرباعيات أبياتا مترابطة المعانى»، وأسفر الاختيار على ثلاثين بيتا من أصل ثلاثمائة واثنين وأربعين بيتا، هى كل أبيات الرباعيات، ويكشف السنباطى: «استبدلنا بـ«كأس الشراب»، «شهد الرضاب» حتى تخرج الرباعيات، ومن الطريف أن لحن المطلع من الرصد النيسابورى، ونيسابور هى مسقط رأس عمر الخيام»، وترى نعمات: «لعل الرباعيات هى البوابة الحقيقية لعهد القصائد الكلثومية السنباطية».
يذكر الكاتب الباحث الموسيقى كريم جمال فى كتابه «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربى»، أن السنباطى أنهى تلك القصيدة الصوفية الكبرى فى مطلع عام 1949، ولم تشدُ بها أم كلثوم إلا فى 7 ديسمبر 1950، على مسرح حديقة الأزبكية بالقاهرة، ويرى: «تحقق فى تلحينها إعجاز فنى خارق، حين اختزل السنباطى بالمطلع الهادئ الإيقاعى هدف القصيدة، وأوحى للمستمع من خلال «الناى» أنه يحلق فى أجواء سحرية علوية تقربه من الذات الإلهية، فى حين يؤكد الإيقاع الهادئ من الدفوف واللحن المقطع على الإيقاع والمرافق له أنه ما زال عل الأرض».