خالد دومة يكتب: الراعية "5"

الخميس، 12 ديسمبر 2024 05:00 م
خالد دومة يكتب: الراعية "5" خالد دومة

عصا...

كلمة ربما لا تعني الكثير، مجرد كلمة، أحرف قليلة، تمر على مسامع الكثيرين دون أن يعير لها أهمية، لكن عصا الراعي، هي جزء من شخصيته من كيانه، ولعله فتح عينيه، على الدنيا، وهى فى يده لا تفارقه، أبدا ويتأنق فى اختيارها، كأنما يختار زوجة أو صديق إنها بالنسبة له، ليست مجرد غابة، أو خشبة إنها كائن حي يصاحبه، ولا يستغنى عنه، حتى عند نومه في القيلولة، أو في المساء، فهي عند رأسه، آخر ما يراه قبل نومه، وأول ما يقع عليه نظره في الصباح، لذا هو لا يصاحب أي عصا والسلام، ولكن لا بد أن تكون جديرة بالمصاحبة.

كان أبي دائما ما يعلم أخوتي عليها، كيف يمسكونها ولو حدث طارئ، كيف يضرب بها، دون أن يقتل، أو يصيب إصابات بالغة، ارفع هنا، اضرب هناك اجعلها تحت إبطك، وفوق الرسخ، حتى الرقص، علمهم أبى كيف يرقصون بها التحطيب والمدافعة، والكثير مما نسيته الذكرة، كنت أنا الفتاة أنظر وأتامل من بعيد، لكن عندما أكون وحيدة كنت أطبق ما علمه أبى لأخوتى دون علم أحد.

كنت أتسلى كانت القيلولة ثقيلة طويلة، أنعس قليلا، ثم أنشط نفسى بهذه الرياضة، حتى يأتى أبى أو أخى، أحببت أنا أيضا العصا، وعندما ذهبت إلى الجامعة، افتقدتها وكانت يدى تحن إليها، فأتلاعب بالقلم، كأنه عصا فى وحدتى، بعد أن ينزل الفتيات إلى ذويهم، في أيام العطلات، كانت لها في يد كل منا وظيفة مختلفة، هي العصا الملقاة، فوق السطح لتنشف ويشتد عودها، وتصبح صالحة لجميع الأحوال، والوظائف ننتقي منها الصالح، ونطعم النار الضعيف منها، والذي لا يصلح لشيء، نحمي بها الفرن، أو نقدمها للكانون، نطهي عليه طعامنا، أو نشعل به نارا صغيرة، تصنع أمي عليه الشاي لأبي.

كانت العصا القوية الصلبة، التي تصلح للأغراض جميعا، يستحوذ عليها أبي، حتى لو كانت في يدينا، كل شيء مميز، هو من نصيب أبي، نصيبه ضخم دائما، يأخذ المناب الكبير، ونأكل نحن ما تبقى من طعام، كانت أمي تؤثره بكل شيء، لأن هذه هي العادة عندنا، هو أول من يقوم من النوم، يتوضأ ويصلي ثم يمسك بعصاه يلهب بها أجسادنا الطرية، كانت هذه هي الوظيفة الرئيسية لعصا أبي، أن تنزل فوق أجسادنا، كنا نستفتح بها يومنا، كل يوم حتى اعتدنا على عصا أبي، فلو جرب مرة أن يوقظنا، دون عصاه، لأبت أجسادنا أن تقوم وربما اعترضت على ذلك، كانت ظهورنا جسور وكهوف وتلال، كلها أورام من عصا  أبي لم تهدأ يوما.

كان أبي وأخواتي أصحاب عصا، كانت العصا بالنسبة لهم تعني كثير مما ذكرت، كان التحطيب في الأفراح شيء معهود، محبب لدى كل الرعاة، يجتمعون فيه، ويُلقي كل منهم ما في جعبته من مهارة، تتناغم العصا مع نغم موسيقى أبو جُميل ومزماره، كانت الأفراح ملتقى أرواحهم، أو متنفسهم إلى عالم الروح، عالم بعيد عن عالم الجسد والشهوات، والبحث عن القوت، وما يقيم الأود، فنحتاج أيضا إلى ما يقيم الروح، لازلت أذكر كلمات الشعر، يطرب الجميع بها، على أنغام الربابة حينا، وعلى الناي حينا، والعود، كان الرجال من هواة حفظ الأشعار، يندمجون وكأنها تخدر أعصابهم أو تسكر عقولهم، وإذا خلى أحدهم بنفسه يدندن بها، إنها أناشيد الرعاة، التي تملأ الأفق، تعزيهم عن الوحدة، إنها الأغنيات التي تشاركهم الهدوء، الشاعر المغوار، يداعب خيالهم، الفارس الذي يدافع عن الأرض والعرض، إنها تملأ قلوبهم، كنت أذهب وأنا صغيرة مع أبي أحيانا، أستمع إلى الشاعر وإلى الأغنيات، وكانت تمس القلوب، حتى قلوب الأطفال، التي قليلا ما تعي الكلمات والألحان، أنظر فأرى الأثر في كل وجه، فالأحراش المترامية، والأغنام الهائمة في مراعيها، وأنت تنظر إلى الأفق البعيد، فإذا هو قريب، تلامسه بيديك، وتستمتع بليونته ونعومته، فهو على مقربة من القلب، تراه بعيونها، وتتحسسه بنبضها، ولا شيء سوى الأغنيات واللحن، تستعيده ذاكرتك، ليكون لك نصيب من الحياة، وعندما كبرت كنا نسمعه خلسة، من خلف الأبواب الموصدة، فالاستماع حرام للنساء، حلال للرجال، العلف والقوت نصيبنا الأدنى منه، وما فوق ذلك فهو للأقوى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة