عودةٌ إلى المكان نفسِه، وفى تاريخٍ مُطابق. وما تغيَّرت الأحوالُ عمَّا كانت عليه قبل سنةٍ من اليوم؛ باستثناء حماوة الجبهات وارتفاع وتيرة القتل، وما أُضِيْفَ إلى جرائم إسرائيل من انكشافٍ غربىٍّ، وتعريةٍ للنظام الدولىِّ مُتعدِّد الأطراف والقائم على القواعد؛ ليظهرَ فى أشدِّ حالاته هشاشةً منذ إرساء دعائمِه عقب الحرب العالمية الثانية.. أخذَتْ المسألةُ أبعادًا دراماتيكيَّة مُتصاعدة منذ «طوفان الأقصى»، واجتهدت بعضُ الأطراف الإقليمية الفاعلة فى محاولة لعب أدوارٍ مُثمِرَة، بينما وقفَ آخرون عند أقلِّ منسوبٍ من الاهتمام، ناهيك عن الحركة المُنتِجَة.
وإذا كانت جَردةُ الحساب بعد سنةٍ، لا تُبشِّرُ فى الاستقراء الأوَّلِ بأكثر مِمَّا قِيْلَ فى النسخة السابقة؛ فإنَّ حركيَّة الميدان ضاعَفَتْ الضغوطَ الأخلاقيَّةَ والسياسية، وغيَّرت كثيرًا من جُملة الأوضاع الإقليمية، ورفعَتْ مُؤشِّرات الخطر إلى حدودِها القُصوى، فضلاً عن المُتغيِّر الأمريكىِّ الذى يتطلَّبُ مُلاقاته بأجندةٍ مُحدَّثَة، مع ما يُحتَمَلُ فيه من إنتاجِ الظروف المواتية لحَرفِ النزاع عن مسارِه الراهن، أكان باتِّجاه التهدئة على الشروط القديمة أو ما يُشبهها، أم بإعادة تنشيط المسار السياسىِّ ولو لاستهلاك الوقت، والإيحاء بانفتاح الأُفق وتسليك القنوات المسدودة.
احتضنَتْ الرياض الاجتماعات التحضيرية للقمَّة أمس، برئاسة وزير الخارجية السعودىِّ فيصل بن فرحان، ومُشاركة الأمينين العامين للجامعة العربية ومُنظَّمة التعاون الإسلامى. واليومَ، تلتئمُ الطاولة الرئيسية بحضور قادة ومُمثِّلى سبعٍ وخمسين دولة، فضلاً على بعض الدُّوَل المُمثَّلة فى الرابطة الإسلامية بصفة مُراقب. وإزاء ثبات المشهد تقريبًا طوال العام الأخير؛ فإنَّ جدولَ الأعمال قد لا يختلفُ فى شىءٍ عن سابقه. وقتَها كانت الحربُ طازجةً والدماءُ غزيرةً؛ إنما المسألة شِبه محصورة فى قطاع غزة، ومُناوشات الشمال دون سقف الاشتباك المعتاد بين إسرائيل والحزب، بينما أكثر ما يُزعِجُ حاليًا أنَّ الحرب تمضى فى اتجاه التفجُّر واسع المدى، والوَضع فى لبنان أو فلسطين آلَ لمأساةٍ كاملة، بينما تُستَدْعَى إيرانُ من جانب الصهاينة؛ طلبًا للمُواجهة بالأصالة، والشَّرَرُ المُتطاير يُهدِّدُ ثلاثَ عواصم إضافيَّة على الأقلّ من بين المُجتمعين.
وعليه؛ فالمهمَّة لم تعُد إسكاتَ البنادق لإنقاذ الغزِّيّين فحسب، بل الحيلولة دون إرباك المجال الجيوسياسىِّ المُكتفى بتناقضاته البينيَّة العالقة، وليس فى رفاهية الانزلاق إلى جولةٍ مُركَّبة من خَلط الأوراق، واللعب فى التوازُنات الحرجة على صورةٍ لن تكون فى صالح القضيّة المركزية، أو حواضنِها الداعمة، وقد لا يستفيدُ منها سوى ناهبى الحقوق العربية، والمُتربِّحين على حسابها؛ بالتوظيف العاطفىِّ، والاستثمار فى التديين والتطييف والخطابات الشعبويَّة الزاعقة.
ما ترشَّح عن النُّسخة الأُولى، بجانب تأكيد الثوابت المَبدئيَّة للدائرتين العربية والإسلامية، كان تدشين آليَّة للرصد الإعلامىِّ وتوثيق الانتهاكات، بجانب لجنةِ المُتابعة المُنبثِقَة عن القمَّة، وقد طافت العالمَ فى جولاتٍ مكوكيَّة شملتْ عددًا من العواصم الكُبرى، وتواصَلَتْ مع الشرق والغرب، وكان من ثمارِها إطلاق التحالف الدولىِّ من أجل حلِّ الدولتين، وقد بلغَتْ جُملة الاعتراف به ما يُقارب نصف الهيئة الأُمَميَّة، مع قبولٍ واسع من جانب الولايات المتحدة وأغلب أوروبا، وذخيرةٍ قانونيَّة تُعزِّزها الشرعيَّة الدولية ومُخرجات الأُمَم المُتَّحدة، منذ قرار التقسيم قبل نحو ثمانية عقود، حتى قرار مجلس الأمن بشأن الهُدنة قبل شهور. وتأكيدُ سَوابقِ الرسائل هُنا لا يُمكِنُ حسابُه على إبراء الذِّمَّة ومَضيَعة الوقت؛ إنما هو من باب الدأب ومُواصَلة طَرق الأبواب، عَمَلاً بمَنطق السياسة فى الديناميكية والبناء المُتدَرِّج رهانًا على التراكُم؛ لا سيِّما لو كانت مَوازينُ القوَّة مُختلَّةً أصلاً، والريحُ لا تهبُّ فى أشرعة المنطقة.
عندما التقى القادةُ فى القمَّة الماضية؛ لم تكُن الصورةُ على وضوحِها الراهن. صحيحٌ أنَّ الوحشيّةَ الإسرائيلية كانت فى أَوجِها، والاجتياحَ البرىَّ للقطاع تحقَّق قبلها بأسبوعين؛ لكنَّ عدَّاد الضحايا لم يتجاوز وقتَها عُشرَ نِسبَتِه الحالية. البيئةُ الشعبيّةُ كانت على سخونتِها المأخوذة بنَشوة الطوفان، ومحورُ المُمانَعة يتقدَّمُ خطوةً ليتقهقرَ اثنتين. كانت السقوفُ عاليةً لدى الطرفين، والرعايةُ الغربيَّة لأجندة نتنياهو عند مُستوياتٍ قياسية، ولا سبيلَ لتخليق التوازُن المفقود مع السرديَّة الإسرائيلية الصاخبة فى مَظلومِيَّتها، والنَّشِطَة للغاية فى وَصْم مُناوئيها بالتوحُّش والإرهاب.
أمَّا على مسافةِ حَولٍ كاملٍ من المُغامرة وارتداداتها الكاسحة؛ فقد تظَهَّرَتْ الصُّوَرُ والحقائقُ لدرجةٍ لا تحتملُ اللبس والجَدَل، ولا الصمت والاصطبار أيضًا، وتبدَّلَتْ لُغةُ الكوكب الأبيض اضطرارًا، وبقدرِ ما تآكلت أرصدةُ الاحتلال لدى رُعاته وداعميه، تكبَّدَتْ الشيعيَّةُ المُسلَّحة من الخسائر ما يَردعها عن التمادى فى الخيارات الاندفاعيَّة الساخنة، ويدعوها لترشيد مَواقفها؛ استدراكًا لِمَا فاتها أو ما يزالُ بإمكانها استنقاذه من الضياع؛ ولو لغايةٍ شخصيَّة تخصُّ قيادةَ المحور وحساباته النفعيَّة، لكنها تصبُّ فى النهاية فى صالح المَعنِيِّين الأساسيِّين بالنكبة، ومن انتُدِبُوا رغمًا عنهم ليكونوا بيادقَ على رُقعة الاشتباك بين أُصوليَّتَين جارحتين.
والحَدَثُ إن كان مفهومًا فى سياق المُتابعة الدورية، ورَفع الحالة، ومُراجعة باقة الأهداف، وتحديثها بالقياس على ما تحقَّق وما زال مُتعذّرًا؛ فإنه يقعُ فى القلب من عمليَّة التأسيس لمسارٍ سياسىٍّ جديدٍ فى واشنطن. والثابتُ أنَّ أوراقَ اللعبة كُلَّها ما تزالُ فى يَدِها؛ على ما قال «الساداتُ» قبل نصف القرن، وسخرَ منه العاجزون اليومَ عن إصابةِ قَدرٍ ضئيلٍ مِمَّا أنجزَه. لقد وقعَ «طوفانُ السنوار» فى ولاية بايدن، ودارت الحربُ من يَومِها تحت قُبَّعَتِه وبإشرافه المُباشر. وإن كانت الرخاوةُ وأمراضُ الشيخوخة وحساباتُ الانتخابات قد لعِبَتْ دورًا فى إنتاج المُعالجة الأمريكية؛ فإنَّ الهوى الصهيونىَّ للرئيس كان المُحرِّكَ الأكبر، بجانب طبيعة الوشائج العميقة بين الديمقراطيين وإسرائيل، وليس تفصيلاً عابرًا أنَّ هارى ترومان اعترف بها دولةً كاملة الأهليَّة بعد دقائق من إعلانها، ولم يَخلِفْ الحزبُ مَوعدًا معها طوالَ العقود التالية.
وإزاء الإحلال المُرتَقَب فى البيت الأبيض؛ ولو كان البديل «ترامب» بكلِّ حِدَّته وسوابقه المُزعِجَة، فالمطلوب الآن البحث عن مُقارباتٍ جديدة، دون الوقوف على المحفوظات القديمة أو البكاء على الأطلال، لا سيَّما أنَّ سياقَ العودة يختلفُ تمامًا عن تجربة الصعود الأولى، ولعلَّ رُؤيتَه أيضًا تطوَّرت، وصارت لديه حساباتٌ ذاتيّة وموضوعيَّة تكفى لتسويغ الزَّعْم باحتمالاتٍ مُغايرة، والأهمّ أنّه شَخصٌ مُتَقَلِّبٌ وغير مُتَوَقَّع، ويُمكن العزف على أوتار شخصيَّته النرجسيَّة ومَنطقِه البراجماتىِّ؛ لتَوليد اقتراحاتٍ عمليَّة قابلة للإجراء، قد لا تكونُ مِثاليَّةً تمامًا؛ لكنها قد لا تكون أسوأ مِمَّا قبلها، وما ارتدَّ علينا من نزوات المُحتلّ والمُختلّ فى «الحالة الصقوريّة» العالية لدى الفريقين.
تأخّرنا كثيرًا فى استكشاف الأجواء الأمريكية. لقد وَظَّف نتنياهو الحربَ منذ البداية لأجل اللعب فى مفاتيح الانتخابات، وتعزيز حظوظ صديقه المُفَضَّل على حساب الإدارة الديمقراطية الذابلة. والفكرةُ باختصار؛ أنّه استحلَبَ كلَّ ما فى حَوزة «بايدن» لإنجاز غاياته الحربية العاجلة، ثمَّ تمهيد الأرض لصراعٍ مُوَسَّع مع إيران، على أن يتكفَّل «ترامب» بضغوطِه القُصوى وإجراءاته الصارمة بحَسْم الجولة النهائية لاحقًا. وبينما يتأكَّدُ من الوقائع أنه أصابَ ما أرادَه بالضبط، حتى أنَّ المُرشَّح الجمهورىَّ دعاه فى حُمَّى التسابُق إلى قَصف المنشآت النووية الإيرانية؛ فإنَّ الأُمورَ قد لا تمضى على تلك الوتيرة، وليس شرطًا أن تتلاقى المساراتُ على أجندة زعيم الليكود. وفى إطار الاحتماليَّة القائمة؛ فإنَّ القمَّةَ بمثابة استطلاع لبيئتَى الحرب والسياسة، ورسالة بعِلْمِ الوصول إلى الإدارتين الأمريكيتين: الراحلة؛ للاستنفار على أمل التعويض فيما يخصُّ نزيفَ السمعة وسوء الخاتمة، والمُقبِلَة من زاوية الإخطار بإجماعٍ عربىٍّ إسلامىٍّ لا يُستَحْسَن تجاوزه، وقد يتركُ أثرًا على الفائز فى افتتاحيَّته؛ بينما يَبنى فريقَه الرئاسىَّ، ويُحدِّدُ برنامجَه ومحاورَ استراتيجيَّته العريضة.
إذا كان «ترامب» طارئًا على السياسة؛ فإنه عتيدٌ فى الاقتصاد، وبفَضلِه أوَّلاتً ربحَ فى المَرَّتين، وخسر فى 2020؛ بعد انعكاسات جائحة كورونا على السوق والأرقام ومعيشة الناس. وعقليَّةُ رجل الأعمال تحكمُ مَواقفَه وستظلّ، وهو فى حديثه عن كراهية الحروب، لا ينطلِقُ من أخلاقيَّة السياسىِّ الساعى للسلام، بل من نَفعيَّة التاجر الباحث عن الربح.
وإذا كان الصراعُ الدائرُ فى أوكرانيا يُثير انزعاجَه لدرجة عالية؛ فإنه لا يجترِحُ فكرةَ إنهائه لشَفَقةٍ على زيلينسكى أو لمَحَبَّةٍ فى بوتين، بقدرِ ما تُحرِّكُه اعتباراتُ الأعباء الواقعة على الولايات المُتَّحدة، وأثرها فى الانصراف عن التحدِّى الأساسى مع الصين، ومخاطر التأجيج على الاستقرار فى أوراسيا، وتمدُّد حلقة النار إلى الإندوباسيفيك وتايوان وشِبه الجزيرة الكُوريّة، وغيرها من مناطق الثِّقَل فى العقيدة الأمريكية الجديدة. وبحِسْبَة المال والمَنفَعة؛ فلا يقلُّ الضغطُ القادم من الشرق الأوسط عن نظيره من جانب روسيا، ولا تقلُّ المصالحُ أيضًا، وليس مِمَّا يُفيد واشنطن أن تتوتَّر منطقةُ الخليج أو تختلَّ مُعادلاتُها الأمنيَّة، وإذا تأكَّد له أنَّ نواياه فى المنطقة تصطدمُ بجدارٍ إقليمىٍّ صلبٍ ومُشتعل، فلن يتأخَّر غالبًا عن إطفائه وإزاحته بعيدًا.
إنَّه رجلٌ مُغرَمٌ بذاتِه للغاية، وإذا كان يُحبُّ ويَكرَه فى علاقاته الشخصية والسياسية؛ فلا أحدَ أحبّ لديه من ترامب نفسه. وهُنا لا يُمكن الحديث عن صداقةٍ وطيدة مع نتنياهو أو غيره؛ ناهيك عن أن تكون علاقةً خَطِرَةً ومُهدِّدَةً لطُموحاته العالية. ورغم خِفَّة الحديث عن المشاعر على وجهِها البسيط؛ فالمؤكَّد أنه لم يَنْسَ لرئيس الحكومة الإسرائيلية أنه كان فى طليعة المُبادِرين بتهنئة بايدن، وما واساه على الانتخابات المسروقة منه. صحيحٌ أنَّ طَعنةَ الخذلان لن تقوده لاتِّخاذ مواقف انقلابيَّة مُعادية لتل أبيب؛ لكنه سيتعامل مع سَيِّدها ناكر الجَميل على صِفَة الشريك المُراوغ، وغير المأمون، وسيَتحَسَّس مُسدَّسَه وهواجسَه كُلَّما قال له شيئًا، أو اتَّفقَ معه على شىء.
وبأثر الفُسحة الحربيَّة الطويلة؛ فقد تراكَمَتْ الشواهدُ وأَضدادُها على كلِّ الألوان، بما يُوفِّرُ قائمةً مَرجعيَّةً طويلة للقياس والمُقارنة. لو طَلَبَ منه الذهابَ إلى هُدنةٍ ورَفَضَها؛ فقد يُذكِّرُه بأنه فَعَلَها لصالح بايدن فى نوفمبر الماضى، وكذلك لو دعاه لإنفاذ المُساعدات أو عدم التصعيد أو ترشيد ضرباتِه المُباشرة لإيران لحساباتٍ استراتيجية أو عارضة. لن تَستوقِفَه كلُّ الحالات التى تجاوزَ فيها الإدارةَ الديمقراطية؛ وسيعتبرُها على الأرجح تعبيرًا عن ضَعفِ سَلَفِه العجوز لا عن بأس «بيبى» وانفلاتِه، أمَّا حالاتُ المُكابرة والرفض فستكون أعلى صوتًا وأثرًا، وقد تستفزُّ ذاتَه المُتضَخِّمَة، خصوصًا إذا كانت المُقابَلة مع «جو النائم» كما كان يَصِفُه دومًا.
ثمّة ثوابتُ عربيَّةٌ إسلامية لم تعُد محلَّ شَكٍّ، وقد ترسَّخت بمرور الزمن وتكرار التجارب، وبعبورِها من كلِّ الامتحانات السياسية، ومن عواصف البيئة الدولية.. صحيحٌ أنَّ بعض الدول لديها علاقات مع إسرائيل، وأكثرَ منها تدورُ فى الفلك الأمريكىِّ، لكنها جميعًا تتَّفق على حجّية القضية الفلسطينية ومركزيّتها، وأنه لا تفريطَ فى أُصولها الكُبرى، ولا تفاوضَ على حُقوقِها العادلة. والعناوين إن كانت واضحةً ودائمةَ الترداد فى خطابات الحكومات ولقاءات المسؤولين؛ فإنَّ للتأكيد عليها من خلال فعَّاليّة مُهمَّة يُنعِشُ حضورَها على لائحة القُوى الدولية، ويمنحُها صِفةَ الإجماع، ويُرسِّم ما يُشبِه الخطوطَ الحمراء، فى فاتحة اللقاء مع إدارة أمريكية جديدة.
والقمّة إن كانت رمَّمَتْ بعضَ الخلافات البينيَّة فى نسختها الماضية، كما فى البند الخاص بحلِّ الدولتين، وقبولِه من جانب سوريا وإيران، وتُمكِنُ إضافة لبنان بالنظر إلى تَغوّل حزب الله بولائه الخُمينى على نظامِها السياسىِّ؛ فإنَّ الموقفَ كان خطوةً مُتقدِّمةً وقتَها؛ حتى لو أعلنت طهران تحفُّظَها بعدما انتهى اللقاء وعاد رئيسها السابق من الرياض. والحالةُ السالفةُ قد لا تتكرَّرُ اليومَ؛ بالنظر إلى مُقاربة الجمهورية الإسلامية للمشهد من حَيِّز الأزمة، وحاجتها العاجلة والوجودية لامتصاص فائض السخونة، والدَّفْع بكلِّ السُّبل المُمكِنَة نحو التهدئة، وقد ترجَمَتْ ذلك عَمليًّا فى انتخاباتها الأخيرة، بإحلال مُحافظٍ مُعتدلٍ لدجة اعتباره إصلاحيًّا على رأس السُّلطة التنفيذيّة، ولن يكون «بزشكيان» بفريقِه المعروف بالانفتاح على الغرب/ عراقجى وجواد ظريف نموذجًا، مثلما كان إبراهيم رئيسى، ووزير خارجيته المصبوغ بألوان الحرس الثورىِّ، حسين أمير عبد اللهيان.
والورشةُ إذ تجىءُ بعد سنةٍ من الحرب، وقد تمدَّدت وباتت نذيرَ خطرٍ حقيقيًّا؛ فإنها تقفُ أمامَ حصيلةٍ وافرةٍ من خُلاصات الجهود العربية، لا سيَّما من جانب مصر وقطر فى الوساطة، ومصر والأردن فى الإغاثة وتثبيت المواقف الرافضة للتهجير وتصفية القضية. والقادة ومُمثِّلو الدُّوَل المُجتمعون سيُؤكِّدون دعمَهم للثوابت المُعلَنَة من القاهرة وعمَّان، إضافة إلى المُبادرة التى أعلنها الرئيس السيسى خلال استقبال نظيره الجزائرى قبل أسبوعين، وحصيلة لجنة المُتابعة وتحالف حلِّ الدولتين، والدعوة لتهدئة المجال اللبنانى بالعودة لتفعيل القرار الأُمَمىِّ رقم 1701؛ إضافة لتحفيز بيروت على التوافُق واستكمال بناء المُؤسَّسات الدستورية، بانتخاب رئيس وتكوين حكومة أصيلة، ودعم الجيش بما يسمحُ له بالانتشار جنوبًا مع قوات اليونيفيل الدوليّة. وكُلُّها عناصر ليست محلَّ خلافٍ من جانب الولايات المُتَّحدة؛ وإن اختلف عليها المُحتلّ والمُمانِع.
كانت عقبةُ المنطقة فى ترويض طرفين يتخادمان، وتتعيَّشُ سرديَّة كُلٍّ منهما على صداميّة الآخر وصِفريّة خياراته.. والميدان أعاد ترسيم الحدود بينهما بالحديد والنار، وليس فى مقدور الشيعية المُسلَّحة أن تواصل الحرب، كما لا تستطيع إسرائيل أن تُجهِزّ على خصومها بالضربة القاضية. بايدن كان عاجزًا عن الدخول إلى قلب الغابة، وفض العراك بين ضباع الأصوليتين، بما يُنقذ المدنيِّين فى غزة ولبنان، ويستنقذ الدولة العبرية من نفسِها قبل أى تهديدٍ آخر. أمَّا ترامب فجاء محمولاً على موجةٍ عالية من التأييد، ويعتبر أنه مُفوَّض من شعبه لإصلاح المنظومة المُختلة، ولأجل إنجاز غايته يتعيَّن عليه أن يتجاوز المُنغًّصات؛ أكان من أطراف آسيا فى الأزمة الأوكرانية، أم من طرفها الآخر فى النزاع بين التوراتيِّين والملالى.
يُحتَمَل على هذا الوجه ألَّا يُلاقى نتنياهو على رغبته فى الصدام بإيران، ومُداومة القتال لحين إعادة رسم الخرائط فى المنطقة كما قال سَلَفا. وبينما يسهل الجزم بأنه لن يتهاون مع طموحات الشيعية المُسلَّحة بشأن البرنامج النووي، أو التمدُّد الإقليمى، وتهديد الأصول الأمريكية فى أنحاء المنطقة؛ فإن مُجرَّد قدومه أصاب الردع المعنوى فى نفسّية جمهورية الثورة، وسيُقلِّص من دعاياتها الشعبوية، ومن تمسُّكها بالأذرع المُمتدّة على طول الإقليم. وترشيدُ الخطاب لن يُعجب زعيمَ الليكود، وسيسعى لتأجيج الأوضاع، وعندها قد يقعُ الشِّقاق مع الإدارة الأمريكية الجديدة، ولن تكون مواقف ترامب رخوةً ومُتحفِّظةً كما كان بايدن، وهو ما يُمكن أن يُفضى لتطويق حكومة الحرب بإملاءٍ من البيت الأبيض، أو بلعبةٍ سياسية من داخل المجال الإسرائيلى، ووقتَها لن يبقى الائتلافُ اليمينىُّ القائمُ على حاله، كما أن سُقوطَه يُلاقِى الحزب والفصائل بعدما فقدت رؤوسَها الساخنة، وطُوِّعت إدارتها العُليا عند قدمى المُرشِد؛ فتتوافرُ كلُّ الظروفِ المُلائمة لإنجاز الصفقة الضائعة.
لدى الإدارة الجمهورية مصالح مُباشرة فى الشرق الأوسط، ومع طائفةٍ عريضة من الدول الإسلامية. والقمَّة ستقولُ بوضوحٍ إنها مُتمسِّكةٌ بثوابتها القديمة، ولديها أُفقٌ سياسىٌّ تولَّدَ عن خُلاصة جولتِها السابقة، وعن جهود عواصمها الفاعلة كالقاهرة، ولن يكون بمقدور ترامب أن يتعشَّم فى توسعة قوس الاتفاقات الإبراهيمية، أو استكمال الممرِّ الهندىِّ لأوروبا، وتطويق الحزام والطريق ببدائل مُنافِسة، أو حصار روسيا فى منفذها على مياه المُتوسِّط الدافئة؛ إلَّا بإراحة المنطقة من عناء نزاع الأُصوليَّات والهُويَّات الساخنة. وإيران بين المُجتمِعِين، وذريعَتُها فلسطين التى تخصُّ العرب أوَّلاً، والبقاء فى ميدان القتال إن كان يغيظها؛ فإنه يُعكِّرُ المياه مع العواصم الإقليمية الفاعلة.
القمّة رسالةٌ فى صندوق ترامب، صحيحٌ أنها يُمكن أن تستنفرَ بايدن فى أسابيعه الباقية، لكنها مُوجَّهةٌ بالأساس إلى الإدارة الجديدة، وقد وقَّعت تعهُّدًا للعرب اللبنانيين فى ميتشيجان بوَقف الحرب، والغاية أن يتكرَّر العهدُ لبقيّة اللبنانيِّين المُقيمين فى بلدهم، وللعرب والفلسطينيين جميعًا. وإزاء المشهد الذى يلتئمُ اليومَ، بما فيه من تأكيدٍ للثوابت الراسخة؛ فالرهان على ترجيح الاحتمالات المقصودة، بين باقةٍ من الخيارات المُتضادّة والمُتعارضة، وأحلاها مُرٌّ، وأغلبُها ليست فى صالح المنطقة والقضية على المدى البعيد؛ إنما لا بديلَ عن المُفاضلة والاختيار، والدفع نحو أقصر الطُّرق لإيقاف المأساة، وإنهاء حرب الذرائع. العِمامةُ الكُبرى أيقنَتْ أنَّ الجُملةَ انتهت، والفصائلُ لم تعُد قادرةً على الكلام أصلاً، ولا أملَ فى تغيير تركيبة الضِّباع والنازيِّين فى تل أبيب إلَّا بوَقف المَقتَلَة، وانتظار التفاعُلات السياسية لتُطيح نتنياهو وعصابته.. باختصارٍ؛ نحتاجُ إلى نقطةٍ على السطر، والقِمَّة ربما تكون المَحبَرةَ للأقلام التى ثِقَبَها العابثون من الجهتين، وفرَّغَها الجنونُ والمعاركُ الصاخبة.