كريم عادل

مصر و«بريكس».. تحديات وتطلعات

الإثنين، 28 أكتوبر 2024 05:00 م


مما لا شك فيه أن الاستفادة من انضمام مصر إلى تجمع «بريكس» تحتاج إلى عدة خطوات، فإن انضمام مصر إلى تجمع «بريكس»، هو انعكاس ونجاح لجهود الدبلوماسية الاقتصادية المصرية، التى تعد أولوية سياسية، فالدولة المصرية نجحت فى تحقيق إدارة ناجحة لملف الدبلوماسية الاقتصادية، مستفيدة من علاقتها المتميزة مع دول العالم، بعد أن تم تعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية والثلاثية ومتعددة الأطراف على مدار السنوات الأخيرة، التى تعد جوهر الدبلوماسية الاقتصادية للدولة المصرية، التى تدعم فى نهاية المطاف الاحتياجات والمستهدفات طويلة الأجل للدولة.


يساهم انضمام مصر إلى تجمع «بريكس» فى إنجاح خطط التنمية والأولويات الوطنية للدولة المصرية، التى تأتى جميعها فى إطار رؤية مصر 2030 و2063 وأهداف التنمية الاقتصادية والمستدامة، لما فى ذلك الانضمام من دور وأثر كبير فى تحقيق مستهدفات الدولة الاقتصادية والاجتماعية، حيث تدخل جميعها من حيث طبيعتها فى الأنشطة المتعددة لبنك التنمية، وما يقدمه للدول الأعضاء من توفير الموارد اللازمة، وتقديم المعونة الفنية لتنفيذ المشروعات المرتبطة بالأولويات التنموية الوطنية بها، حيث يعمل البنك على دعم التنمية المستدامة، وتعزيز التعاون والتكامل الإقليميين عبر الاستثمار فى مجال البنية التحتية بشكل أساسى، التى تشمل القطاعات الفرعية المختلفة فى البنية التحتية، مثل الطاقة، والنقل، والمياه، والاتصالات، وهى قطاعات تأتى ضمن برنامج الإصلاح الهيكلى للدولة المصرية، الذى تستهدف الدولة من خلاله زيادة الوزن النسبى لمساهمة هذه القطاعات فى الناتج المحلى الإجمالى وزيادة معدل النمو.


يضاف إلى ذلك أن عمليات بنك التنمية الجديد تشمل دعم وتمويل قطاعات الصحة والبنية التحتية الاجتماعية وقطاع التحول الرقمى، وهى قطاعات تعمل عليها الدولة المصرية، وتستهدف من خلالها تحقيق الارتقاء الاقتصادى والاجتماعى وتحسين بيئة الأعمال، وهى قطاعات تأتى متسقة أيضا مع مستهدفات البنك التنموية ومعايير الانضمام إليه وسياسات العمل فى الدول المنضمة إليه، لا سيما وأن ذلك الانضمام يساهم فى زيادة ثقة المجتمع الدولى ومؤسسات التمويل الدولية، ومؤسسات التصنيف الائتمانى فى الاقتصاد المصرى، الذى يتوافق مع معايير الانضمام وسياسات العمل مع تجمع اقتصادى مهم، يضاف إلى ذلك المزيد من سبل التعاون وفتح آفاق جديدة للاستثمارات والتبادل التجارى بين الدولة المصرية ودول التجمع والأعضاء فى بنك التنمية المنضمة إليه.


إلا أن تحقق الاستفادة من الانضمام إلى تجمع «بريكس» يتوقف على ما ستقدمه الدولة المصرية، خلال المرحلة المقبلة، من دعم لقطاع الإنتاج والتصنيع والتصدير من توفير مستلزمات الإنتاج والمواد الخام والتكنولوجيا اللازمة للإنتاج، وفقا لمعايير الجودة العالمية التى تشترطتها الدول الأعضاء، إضافة إلى ما سيتم اتخاذه من إجراءات وسياسات مالية ونقدية تسهم فى تعزيز قوة العملة المحلية، مقابل عملات دول تجمع «بريكس»، خاصة أن هذا التجمع يرتكز على تعزيز وزيادة التبادل التجارى بين الدول الأعضاء، وهو ما يتطلب تبنى سياسات جديدة من شأنها تحقيق تلك الاستفادة للدولة المصرية وإفادة الدول أعضاء التجمع.


ولكن حتى نكون أكثر واقعية، وحتى تكون كلماتنا التى نكتبها مفيدة، هناك سؤال يجب طرحه.. ماذا بعد انضمام مصر إلى تجمع «بريكس»؟


بعد فرحة عارمة عمّت الشارع المصرى والوسط الاقتصادى، بعد انضمام مصر بشكل رسمى لتجمع «بريكس» بدءا من شهر يناير 2024، طرحت عدة تساؤلات:


هل حقا ستنتهى أزمة الدولار فى مصر؟ وهل مصر لديها احتياطات متنوعة من عملات الدول أعضاء التجمع حتى يكون التبادل التجارى معها بعيدا عن الدولار؟


إليكم الإجابة:
أولا، وبشكل واضح وصريح، لن تنتهى أزمة الدولار فى مصر بعد الانضمام إلى دول بريكس، وأبرهن على ذلك بعدة نقاط، منها، أن الميزان التجارى الخارجى لمصر، لا يزال فى نطاق العجز، وهذا يعنى أن الواردات تفوق بكثير الصادرات المصرية، وبشكل قاطع، لن تنتهى أزمة الدولار فى مصر، حتى يتحول عجز الميزان التجارى إلى فائض.


ثانيا، وفقا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت قيمة صادرات مصر إلى دول تجمع بريكس منذ عام 2009، وهو أول عام يُعقد فيه التجمع اجتماعه منذ بداية المناقشات عام 2006، بلغت 251.1 مليار دولار، فى حين بلغت قيمة الصادرات 45.5 مليار دولار خلال نفس الفترة، هذا يعنى أن الميزان التجارى لمصر مع دول بريكس يمثل عجزا بقيمة 205.6 مليار دولار.


وهنا يأتى سؤال آخر، هل تكمن مشكلة مصر فى عدم توافر الدولار فقط، فى حين أن عملات الدول أعضاء بريكس متوفر فى سلة العملات لدى البنك المركزى المصرى حتى تستطيع مصر تنفيذ معاملات تجارية مع الأعضاء بالعملات الوطنية بعيداً عن الدولار؟


هل تتمتع سلة العملات المصرية بوفرة من اليوان والروبل والروبية؟


أضرب لكم مثالا بسيطا، وفقا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت قيمة صادرات مصر إلى الصين 10.1 مليار دولار، منذ عام 2009 وحتى عام 2022، فى حين استوردت مصر من الصين ما قيمته 123.6 مليار دولار خلال نفس الفترة.


وحتى تستطيع مصر تنفيذ معاملات تجارية مع الصين بالجنيه واليوان، يتعين على مصر توفير مبالغ طائلة باليوان، على الأقل قيمة تعادل الفرق بين الصادرات والواردات، ونقيس على الصين، الدول الباقية أعضاء بريكس.


يضاف إلى ذلك ضرورة أن تتقدم الدولة المصرية بمقترح لبنك التنمية والدول الأعضاء فى تجمع «بريكس» يتضمن بحث آلية أن يتكون رأس مال البنك من سلة عملات الدول الأعضاء بصورة كاملة، وألا يكون للدولار الأمريكى أى حصة منها، مما يحقق ما يستهدفه هذا التجمع من تقليل الاعتماد على الدولار رفضا للهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وبما يعزز من قوة عملات الدول الأعضاء ويمثل غطاء نقديا يتيح إمكانية التبادل التجارى فيما بينهم، فى ظل ما يشهده الميزان التجارى لبعض الدول من زيادة الواردات ونقص الصادرات لبعض دول التجمع، مع الأخذ فى الاعتبار أنه إذا كان هذا الانضمام يساهم فى زيادة ثقة المجتمع الدولى ومؤسسات التمويل الدولية ومؤسسات التصنيف الائتمانى فى الاقتصاد المصرى، الذى يتوافق مع معايير الانضمام وسياسات العمل مع تجمع اقتصادى مهم، إلا أن الاستفادة من ذلك تتطلب تبنى سياسات استثمارية نوعية جاذبة تستهدف بحث سبل التعاون وفتح آفاق جديدة للاستثمارات والتبادل التجارى بين الدولة المصرية ودول التجمع والأعضاء فى بنك التنمية المنضمة إليه.


كما يتطلب الأمر مراجعة أسباب اختيار مصر للانضمام لهذا التجمع، والعمل على تبنى هذه الأسباب وتطويرها لتتحقق الجدوى والاستفادة لتجمع بريكس من انضمام مصر إليه، وعلى رأسها الموقع الجغرافى والتوسعات فى المناطق اللوجيستية، وعلاقات مصر بأفريقيا كثقل سياسى واقتصادى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة