غادة موسى

إلى أين تتجه «البريكس»؟

الإثنين، 28 أكتوبر 2024 06:00 م


اجتمعت دول البريكس ودول البريكس «بلس» على مدى يومين خلال الفترة من 22-24 أكتوبر 2024 فى مدينة قازان بروسيا الاتحادية. وكان هذا الاجتماع هو الاجتماع السادس عشر لدول المجموعة منذ انعقاد القمة الأولى للمجموعة فى عام 2011، ويعتبر هذا الاجتماع ذو دلالة واسعة بالنسبة للدول حديثة الانضمام، حيث يعد الاجتماع الأول لها كدول كاملة العضوية مثل مصر والإمارات وإيران وإثيوبيا التى هى دول اقتصادات ناشئة فى مجموعها.
ويثير اجتماع دول البريكس الـ16 العديد من التساؤلات، خاصة أنه الاجتماع الثانى الذى ينعقد فى خضم صراعات ونزاعات وحروب اقتصادية وعسكرية وبيئية لم يشهدها العالم منذ عقود طويلة.


والتساؤلات التى يطرحها انعقاد تجمع دول البريكس فى هذه الظروف غير المسبوقة ليس الهدف منها التشكيك بقدر التفكير والتدبر فيما يمكن أن يتجه إليه تجمع « البريكس» فى المستقبل، أو ما هو قادر على تحقيقه بالفعل على أرض الواقع، وهذا المنهج فى التفكير سيمكن دول المجموعة من تخطيط ورسم سياساتها على أرضية واقعية عقلانية رشيدة.


فلا يوجد من بيننا - كدول عالم نامٍ - من لا يتطلع إلى نظام عالمى أكثر عدالة وأمنا وهو ما تضمنه شعار الاجتماع الـ16 «تعزيز التعددية من أجل العدالة والأمن»، فهل يمكن اعتبار العناوين التى حملها ذلك الاجتماع عناوين واقعية تستطيع أن تخترق النظام العالمى الهش الحالى وتعيد صياغته؟ وهل الموجود ليس نظاما عالميا متعدد الأقطاب فى طور التشكل؟ وهل ستقبل روسيا والصين اللذان يقودان مجموعة عمل دول البريكس نظاما دوليا متعدد الأقطاب فى المستقبل؟
مما لا شك فيه أن المنظومة الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة وبصفة خاصة مجلس الأمن بوضعه الحالى يثير أيضا العديد من التساؤلات حول سياسات الحوكمة فى العالم أو القدرة على حكم العالم وإدارة هذا الحكم، وتصب دعوة الأمين العام للأمم المتحدة «أنطونيو جوتيريش» لحضور الاجتماع فى اتجاه مناقشة هذا الوضع. 


لقد أكدت الدول فى الاجتماع على أهمية التعاون متعدد الأطراف من أجل التنمية والأمن العالميين، وأن هذا التعاون يجب أن يتم فى إطار ووفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، لتعزيز نظام دولى أكثر عدالة، وكأن دول المجموعة تسعى إلى كبح جماح دور شرطى العالم الذى يملك الحق فى فرض العقوبات أحادية الجانب وعرقلة جهود التنمية المستدامة فى بعض دول مجموعة البريكس.


كما ركز الاجتماع على تعزيز «صوت الجنوب العالمى» من خلال إقرار مبادرات لتعزيز التعاون بين الدول النامية مثل «منتدى الهند - أفريقيا» من أجل تمثيل وجهات نظر واحتياجات الاقتصادات الناشئة بهدف تحقيق إدارة اقتصادية لدول العالم أكثر عدالة وإنصافا من خلال إصلاح النظام المالى العالمى ليكون أكثر شمولا وأقل احتكارا، وهذا ما تمثل فى تعالى أصوات دول المجموعة وفى مقدمتها روسيا من أجل اعتماد العملات المحلية فى التجارة والمعاملات المالية بهدف الحد من هيمنة الدولار كعملة للتبادل التجارى العالمى، ومن ثم كسر هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية الغربية على التجارة الدولية. وفى هذا الإطار تم التأكيد على أهمية السلع العامة الرقمية، وتعزيز تطويرها تحت قيادة الهند، وذلك من أجل تقوية التعاون التكنولوجى بين بلدان مجموعة البريكس، وتسهيل الابتكار وتبادل المعرفة، وقد يمتد هذا الأمر إلى إقرار عملات رقمية للتبادل فى المستقبل.


كما تصب تلك السياسات مثل إقرار «بورصة حبوب دول البريكس» فى تحسين وتسريع التجارة فى السلع الزراعية ومعالجة التحديات التى تواجه إمدادات الغذاء وتحقيق الأمن الغذائى، ويتصل بما سبق دعم دول البريكس لمقترح إنشاء مركز البحث والتطوير للقاحات التابع لمجموعة البريكس، والذى يهدف إلى تعزيز البحث والتطوير فى مجال اللقاحات لضمان الوصول العادل إلى اللقاحات، وخاصة فى ضوء التحديات الصحية العالمية المتكررة.


أما على الجانب السياسى فقد تمت مناقشة قضايا سياسية تاريخية مثل ضرورة الحد من تفاقم الصراعات والتوترات الحدودية بين كل من الهند والصين.


يمكن القول إن عنوان الاجتماع الـ16 والقضايا التى ناقشها هى اعتراف صريح بفشل النظام العالمى الحالى فى تحقيق الأمن والعدل وأنه حان الوقت للبحث عن نظام عالمى بديل، وعلى الرغم من أن هذا الاتهام يطول أيضا منظمات الأمم المتحدة وبصفة خاصة مجلس الأمن بشكل غير مباشر، إلا أن التوصيات التى خرجت عن الاجتماع أشارت بشكل واضح إلى أهمية الحفاظ على الأمم المتحدة وتقوية مؤسساتها.


ولكن، كيف سيحقق تجمع البريكس الأمن العالمى ودوله الرئيسية متورطة فى حروب سياسية وعسكرية واقتصادية وفى مقدمتها روسيا والصين وإيران وإثيوبيا؟ وهل يمكن تصور تجمع دول البريكس بأنه مجرد «تجمع تظاهرى» أكثر منه تجمع سياسى حقيقى، وذلك وفق المعطيات الموجودة؟


كما أن التساؤلات المتعلقة بتجانس الفكر السياسى والاقتصادى لدول مجموعة البريكس مقابل تجانس دول النظام العالمى لما بعد الحرب العالمية الثانية: الدول الغربية المنتصرة التى تتبنى الفكر الليبرالى فى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل رئيسى يثير بعض المخاوف حتى مع إعلان دول المجموعة عن تعزيز التعاون الإنسانى والثقافى.
مما لا شك فيه أنه يوجد بداخل تجمع البريكس دول هاربة من إجحاف النظام العالمى الاقتصادى المترسخ منذ منتصف القرن العشرين نحو نظام أكثر عدالة وإنصافا، بل وقد يوجد وسط تلك المجموعة أيضا من يمكن وصفه بـ«حصان طروادة» الذى يتحسس خطواته فى ذلك التجمع، وهو فى ذات الوقت مطمئن ومنتمى إلى النظام العالمى الراهن «غربى الهوى والمنشأ»!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة