أكرم القصاص

دينا شرف الدين

مكارم الأخلاق.. التواضع 9

الخميس، 29 سبتمبر 2022 12:56 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

"من تواضع لله رفعه".. الفضيلة الأخلاقية التي يتناولها مقال اليوم هي "التواضع"، فهي غاية في الأهمية لما لها من تأثيرات إيجابية كثيرة علي المجتمع  في حال العمل بها والرجوع إليها والانتباه  لخطورة تجاهلها والبعد عنها.

 

التواضع لغةً مأخوذ من (وضع)، التي تدل على الخفض للشيء وحطه، يقال: وضعته بالأرض وضعا، ووضعت المرأة ولدها.

 

فالتواضع صفة محمودة تدل على طهارة النفس وتدعو إلى المودة والمحبة والمساواة بين الناس ونشر الترابط ومحو الحسد والبغض والكراهية من قلوب الناس.

 

سئل (الحسن البصري) رحمه الله عن التواضع. فقال: التواضع أن تخرج من منزلك  ولا تلقى مسلماً  إلا رأيت له عليك فضلا" الإحياء: 3/34.

▪    التواضع في اللباس والمشية.

عن عبدالله بن عمر أن النبي قال:

"بينما رجل يجرُّ إزاره من الخيلاء خُسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة".

▪التواضع في التعامل مع الزوجة. وإعانتها.

عن الأسود قال : سألتُ عائشة ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يصنع في بيته ؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله تعني: خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.

▪ التواضع مع الخدم والعبيد.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: إذا أتى أحدَكم خادمُه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه وليَ حرَّه وعلاجَ

وقد حث المولي عز وجل في كتابه الكريم  علي (التواضع) فقال تعالى:

 

وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً. الإسراء .{37}

(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً الفرقان {63}}

وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض

مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ       لقمان {18}

 

*و بما أن الأديان السماوية جميعها تدعو إلي نفس القيم الأخلاقية و الفضائل و التعاليم  ، فإليكم  بعض الآيات التي تحث علي التواضع

بالكتاب المقدس ( الإنجيل ):

"ازدد تواضعا ما ازددت عظمة فتنال حظوة لدى الرب"  سفر يسوع بن سبراخ 3: 20

 

"تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. (إنجيل متى 11: 29)

    

" تَسَرْبَلُوا بِالتَّوَاضُعِ، لأَنَّ: اللهَ يُقَاوِمُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً"

(رسالة بطرس الرسول الأولى 5: 5؛ سفر الأمثال 3: 34؛ رسالة يعقوب 4:6

 

وبما أن مصر  القديمة كانت منبع الأخلاق و فجر ضمير  الإنسانية ،

فإليكم بعض تعاليم الحكيم (بتاح حتب):

وهو الحكيم الذي ظهر مع الأسرة الخامسة ووزير الفرعون (ديد كارع)، وقد وضعت تعاليمه في بردية تعود لعصر الدولة الوسطي، ووضعت حكمته في البردية على أنها (كلمات الإله) وعددها  ٣٧ حكمة شملت آداب التواضع والمحادثة والعدالة والحقيقة والوداعة والكرم والأمانة واحترام الواجب والسعادة وحق الأبناء والتقاليد  والفوز بالزوجة الصالحة والنميمة وغيرها، وهذه بعض حكمه:

يقول «بتاح حتب» في نصائحه لولده:

 

«لا تزهد بمعارفك، ولا تحسبن نفسك عالماً، ولكن اجعل الأمر شورى مع

الجميع، خذ نصيحة الجاهل، 

كما تأخذ نصيحة العالم،  لأن حدود العالم لا نهائية،  وليس هناك من يبلغ الكمال في أحاديثه،  والقول الحكيم أشد ندرة من الحجر الأخضر، ومع ذلك فقد تجده الإماء اللائي يجلسن إلى الرحى».

 

«إذا وجدت رجلاً يتكلم، وكان أكبر منك وأسدى حكمة، فأصغ إليه، وأحن ظهرك أمامه، ولا تغضب إلا إذا تفوه بالسوء، وعندئذ سيقول عنه الناس: تبا له من جاهل – إذا وجدت رجلاً مساوياً لك يتجادل، وأثار حديث السوء فلا تسكت، بل أظهر حكمتك وحسن أدبك، فإن الكل سيثنون عليك، وسيحسن ذكراك عند العظماء –

إذا وجدت رجلاً فقيراً (ليس مساوياً لك) يتكلم فلا تحتقره لأنه أقل منك، بل دعه وشأنه، ولا تحرجه لتسر قلبك، ولا تصب عليه جام غضبك فإذا بدا لك أن تطيع أهواء قلبك فتظلمه، فاقهر أهواءك، لأن الظلم لا يتفق مع شيم الكرام»

 

*أما الحكيم والوزير(كاجمنى) فقد بدأ وصاياه بفضيلة التواضع إذ قال:

 

((الحذر يحالفه النجاح. ومن يتخذ الاستقامة أساسًا لعمله يمتدحه الناس. فكن حذرًا وفطنــًا فى الحديث. والسكين تكون مسنونة لمن يحيد عن الطريق المستقيم ، واعمل على ضبط النفس ولا تكن نهمًا، ولا تـُفاخر وتزهو بقوتك))

 

*قال الحكماء: (ثَلاثُ كَلماتٍ مُهْلِكَاتٍ: "أنا، ولي، وعندي"

 *(أنا)   قالها الشيطان متكبراً عندما أمره الله بالسجود لآدم كما جاء في قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ [ص: 76]، فَطُردَ مِنَ الجنّةِ ووَعَدَهُ اللهُ جَهَنّم مُسْتَقراً له،

 

*(لي)  قالها فرعونُ طُغياناً، كما جاء في قوله تعالى:  ﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ [الزخرف: 51] فأغرقه الله في البحر وجَعَلَهُ لمن خَلْفَهُ آيةً وعبرةً،

 

*(عندي) قالها قارونُ زَعْماً منه أنّ ما يَمْلِكُهُ مِن كُنوزِ قد جمعها بِجُهْدِهِ لا بِرِزْقِ الله تعالى له، كما جاء في قوله تعالى:  ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾ [القصص: 78] فَخَسَفَ اللهُ تعالى بهِ وبِدَارِهِ الأرضَ).

 

• قال أحد الشعراء :مَلْأَى السّنابلِ تَنْحَنِي بِتَواضُعٍ ♦♦♦ والفَارِغَاتُ رُؤُوسُهُنَّ شَوَامِخُ

 

• وقال رجلٌ لحكيم: علمني التواضع.. فقال الحكيم:

 (إذا رأيتَ مَن هُو أكبرُ مِنكَ، فقل: سَبَقَني إلى الأعمالِ الصالحةِ، فهو خَيرٌ منّي.. وإذا رأيتَ مَن هُو أَصْغَرُ مِنْكَ فقل: سبقتهُ إلى الذّنُوبِ والعَملِ السَّيءِ فأنا شَرٌّ مِنْهُ).

 

• قال الإمام الغزالي  : (العُجْبُ يَدعُو إلى نسيان الذُّنوبِ وإهمالها، ويتولد منه الكِبْر، والمعْجَبُ يَغترُّ بنفسهِ وبرأيهِ، ويَأْمَن مَكْرَ الله وعذابَهُ، ويثني على نفسه ويُزَكِّيها، ويستنكفُ مِن الاستفادة والاستشارة، وسؤال مَن هو أعلم منه، ولا يسمع نُصْحَ نَاصِحٍ، ولا وَعْظَ وَاعِظٍ، ويُصِرُّ على خَطَئِهِ).

 • قال الحسن البصري :

(التواضعُ مع البخلِ والجهلِ، خيرٌ مِن التكبّرِ مع الكرمِ والعقلِ، فحسبك مِن حَسَنةٍ غَطَّت على سَيئتين، وسَيئةٍ غَطَّت على حَسَنتين).

 • قال محمد بن الحسين بن علي:

(مَا دَخَلَ قَلْبَ امْرِئ شيءٌ مِنَ الكِبْرِ قَطُّ إلّا نَقَصَ مِن عَقْلِهِ بِقْدِرِ مَا دَخَلَ مِن ذَلِكَ قَلَّ أو كَثُرَ).

 

• قال الحكماء: (التَّكَبُرُ على المُتَكَبِّر صَدَقةٌ؛ لأنّه إذا تواضعتَ له تَمَادى في ضَلَالِهِ وإذا تَكَبّرتَ عَلَيهِ تَنَبَّهَ).

 

• و كيف لنا أعزائي ألا نتمسك بفضيلة التواضع  التي هي من شيم العظماء و كبار النفس  الذين كلما علت قدورهم ازداد تواضعهم  وصغر  كبرهم، وكيف لنا ألا نُعلم  أولادنا ما تعلمناه من آبائنا و أمهاتنا  من قيم  و أخلاقيات  كنا نتلقاها  بجملٍ وأساليب بسيطة  و ربما دون قصد في بعض الأحيان، إذ كانت هي السائدة المعتادة التي يلتزم  بها الجميع دون إلزام  و من يشذ عنها  يكون كمن يغرد خارج السرب فتنفر من صوته جميع الآذان.

فكنا نعرف بتلقائية أنه علينا  إحترام الكبير  و الإحسان إلي الوالدين و تبجيل المعلم  و التواضع  مع الصغير قبل الكبير  ، فلن أنسي يوماً علي سبيل المثال قول  أمي رحمها الله الذي تردد علي مسامعي مرات عديدة  أنه  "من تواضع لله رفعه".

 

فهل لنا من عودة جادة لقيمنا الأصيلة ممتدة الجذور و أخلاقياتنا  الحميدة التي توارت و كادت أن تندثر  خلف أتربة التبجح و الوقاحة  و فجاجة السلوك و تحول الفضائل و العادات و التقاليد إلي مجرد ذكريات جميلة في قوالب محفوظة يكترها البعض عندما يقتله الحنين إلي الزمن الطيب الذي لا ذكر له في قاموس أخلاقيات و مفردات الأجيال الجديدة .

 

وخير ختام  لمقال اليوم عن فضيلة التواضع  كلمات خير الأنام و صاحب الخلق العظيم  نبينا محمداً صلي الله عليه و سلم :

 

* عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).       رواه مسلم.

 

*قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم

 "مَنْ تَوَاضَعَ للهِ دَرَجَةً رَفَعَهُ اللهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّيْنَ، وَمَنْ تكَبَّرَ عَلَى اللهِ دَرَجَةً وَضَعَهُ اللهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِيْنَ" رَوَاهُ أحمد

 

و إلى لقاء غير منقطع مع فضيلة أخلاقية جديدة.

 

 

 





مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة