أكرم القصاص

إبراهيم منصور يكتب: طَرَفٌ من حياة الفلاح قراءة فى رواية "خالتى بهية"

الأربعاء، 15 سبتمبر 2021 11:01 ص
إبراهيم منصور يكتب: طَرَفٌ من حياة الفلاح قراءة فى رواية "خالتى بهية" الدكتور إبراهيم منصور

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
لأن رواية الفلاح فى مصر رواية واقعية، فقد أعطانا كتابنا، صورة عن حياتنا فى الريف، منذ الجيل الأول الدكتور محمد حسين هيكل (فى رواية زينب) وتوفيق الحكيم (فى يوميات نائب فى الأرياف) وعبد الرحمن الشرقاوى (فى الأرض، والفلاح) أو الجيل التالى يوسف إدريس (فى قصصه القصيرة، وفى الحرام، والعيب) وعبد الحكيم قاسم (فى أيام الإنسان السبعة). 
 لكنى دائما كنت أنتظر أن أقرأ، فى تلك الروايات وصفا مفصلا لزراعة القطن ورعايته وجنيه، أو زراعة القمح وضمه، ودرسه وتخزينه، أو أنتظر أن أقرأ وصفا مفصلا للساقية والمحرات، والأدوات التى يستخدمها الفلاح من شقارف ومقاطف وفؤوس، ومشنّات وقُلَل وطواجن، أو أصناف الطعام من فطير مشلتت، إلى بتّاو وعيش شمسي، لكنى دائما ما أجد انصرافا عن الوصف التقليدى الواقعى لهذه الجوانب من حياة الفلاح التى تتوارى، وتتسرب من بين أيدينا الآن، فتهرب إلى سراديب النسيان. ولكن خيرى شلبى قدم فى "الوتد" بعض ذلك التسجيل لأدوات الفلاحين وخاصة ما كان منها مستعملا داخل البيوت، كما اعتنى عادل عصمت بوصف بيوت الفلاحين وبعض ما فيها من أدوات فى روايته "الوصايا".
ابراهيم منصور
 
 ثم جاء كاتب من جيلنا هو خليل الجيزاوى (مواليد ١٦ سبتمبر ١٩٦١م) فحاول أن يعطينا هذه السمة التسجيلية لحياة الفلاح فى حياته اليومية بطعامه وأدواته، وطرق عمله فى زراعة المحاصيل وجنيها، فأصدر روايته الأخيرة "خالتى بهية" (الهيئة المصرية العامة للكتاب ٢٠٢١م) بعد ست روايات نشرها، من قبل، مع ثلاث مجموعات قصصية، فهل نجح الجيزاوى فى ملء هذه الفجوة التى تركها غيره من الروائيين؟
 رواية "خالتى بهية" تسجل حكايات شفهية لفلاح اسمه عبد الحميد حسين، وشهرته عبده، وعبده يحكى لصديق له هو عبد الرحمن، الذى يعمل صولا فى الشرطة، وعمله هو مراقبة الترع، والإبلاغ عن عدوان الفلاحين وتعديهم على جسور تلك الترع وضمها لأراضيهم، لذلك فقد اعتاد أن يذهب إلى عبده، فى الغيط على شط الترعة حيث يوجد حقله، فيجلس إليه ويستمع إلى حكاياته، أثناء احتساء شاى العصارى معه، بجوار جرنه ومواشيه وزراعته، هذه الذكريات تعود لسنوات عمره التى تمتد من زمن الستينيات من القرن العشرين وحتى زمن الكتابة وهو السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين، أى أن طفولة "عبده" موازية لطفولة الكاتب وشبيهة بها، فقد نشأ الكاتب فى إحدى قرى مركز السنطة محافظة الغربية.
 تبدأ الرواية بسرد حياة عبده، وتطور تلك الحياة، هو الآن رجل ناضج، ابنه حسام مهندس، تخرج فى الجامعة، ويعرض لنا الفصل الأول طرفا من حياة "عبده" الأولى، وكيف زوجه أبوه من امرأة جميلة هى زينب، لكن شقيقه يموت شهيدا أثناء حرب أكتوبر ٧٣ فيترك امرأته أرملة شابة، هنا تصر الأسرة أن يجمع عبده بين زوجه المحبوبة زينب، وبين أرملة أخيه فيقبل على مضض.
 عبده الموصوف بفحولة أثارت حسد النساء فى القرية منذ شبابه الباكر، لم تكن له أية مغامرات نسائية، ولا كان فى حياته أى قدر من التوتر، فلماذا أصبح بطلا لرواية يفترض أن تبنى على حبكة، وصراع يتطور إلى أزمة وحل نصل إليه، طالما أننا أمام رواية واقعية؟
 اختار الكاتب خليل الجيزاوى تقسيم العمل إلى فصول بعناوين، كل فصل يعالج جانبا من جوانب حياة عبده وأسرته فى القرية، وهذا الأسلوب قريب مما صنع عبد الحكيم قاسم فى أشهر رواياته المعروفة جيدا "أيام الإنسان السبعة" حيث كانت الأيام السبعة مرتبطة بالتجهيز لزيارة سنوية يقوم بها الفلاحون إلى مولد السيد البدوي، فيجهزون الخبيز، ويرحلون إلى طنطا، وتكون آخر مرحلة هى حضور الليلة الكبيرة فى المولد، وأخيرا يعودون إلى القرية. أما الجيزاوى فلم يستطع أن يمسك بخيط سردى يربط الشخصيات والأحداث معا داخل القرية، إلا عن طريق عبده الذى أمسك بصديقه الصول وأخذ يملى عليه ذكرياته التى جعلها دروسا فى التاريخ، تاريخ الفلاحة، والأدوات، والمحاصيل الزراعية، والسياسة الزراعية: من رعاية للترع وعناية بالبذور والتسويق، وتاريخ بعض الشخصيات فى القرية، وأخيرا تحول السياسة بعد تحول النظام الاقتصادى من نمط اشتراكية عبد الناصر إلى نمط انفتاح السادات.
 
خالتى بهية
 
 فى رواية "خالتى بهية" فصول بأسماء الشخصيات، وفصول أخرى بأسماء الأدوات: النورج والساقية والطبلة وكُور الحدّاد، كلها سرد على لسان الراوى العليم تارة، أو على لسان عبده الشخصية الرئيسية تارة أخرى، لكن الحيلة السردية التى لجأ إليها الروائى لم تعجبني، فقد جعل عبده- كما قلت - يمسك بأذن صديقه الصول ويملى عليه المعلومات والوصف للأشياء وتاريخها على نحو "غير روائي" لو جاز لنا أن نقول، كما اهتم خليل الجيزاوى خريج قسم اللغة العربية بضبط الألفاظ بالشكل فى روايته هذه وفى كثير من رواياته، لكنه للأسف أخطأ فى هذا الضبط فى مواضع كثيرة، كما أن الضبط نفسه لم يكن ضروريا أبدا، فبدا مفتعلا متزيدا فى كثير من المواضع.
 كانت الخالة وهيبة واحدة من الشخصيات المهمة فى الرواية وقد سرد الكاتب طرفا من حياتها حيث عملت بحرفة المسحراتي، وقد رصد الراوى استغلال الخالة وهيبة للظرف السياسى الخطير عند وقوع الهزيمة وتنحى جمال عبد الناصر، فأخذت تستحث الناس على التمسك بالأمل مرددة كلمات سيد مكاوي:
ازرع كل الأرض مقاومة
ترمى ف كل الأرض جدور
فألهبت حماس شباب القرية، فخرجوا وركبوا القطار إلى القاهرة مطالبين عبد الناصر بالبقاء فى منصبه فى ٩ و١٠ يونيه من العام ١٩٦٧م.
 شخصية عبده، فيها جوانب مميزة، جعلته حديث النساء والرجال حتى قالوا أنه يخاوى الجنيات، كما أن شخصية عم مسعود الطحْان لها جوانب مميزة، من حيث تحولها إلى لعبة تسلية للأولاد ونساء القرية، بعد إصابته إصابة شديدة فى رأسه، وقد رفض أن يبيع أرض المطحن لكى تتحول إلى بيوت.
 أما الخالة "بهية" التى تحمل الرواية اسمها فهى قريبة الراوى عبده، لقد استشهد زوجها فى الحرب، بعد عامين من الزواج، وبقيت وحيدة، لكنها كانت تقضى وقتها فى العمل فاعتادت أن تساعد أم الراوى " وأمى تجلس بجوار طشت العجين، تقرّص العجين قطعا صغيرة، مقدار ما يملأ كف يدها، وهى تزن قطعة العجين بيدها، وكأن يدها ميزان حسْاس.... وعندما تطمئن أن الرغيف بات رقيقا، تنادى على خالتى بهية قائلة: إيدك يا أم سماح" لكن الروائى يلجأ للشرح، فيترك التصوير ويذهب إلى نمط التقرير، فنراه يقول " وهذا معناه أن خالتى بهية ستناولها يدها ممسكة بمطرحة المناولة، ويمكنك ان ترى الفرق الواضح بين المطرحتين، مطرحة الخبيز مطرحة عادية..إلخ" هذا اللون من الشرح الذى تحول إلى دروس فى فصل مدرسي، لم يكن فى صالح الرواية، بل أعاق تدفق السرد وانسيابه. وهكذا فعل فى وصفه لأدوات الفلاح، وطرق زراعة القمح، وضمه أى حصاده، ثم نقله إلى الأجران بواسطة الجِمال، ثم درسه بالنورج فى الجرن، هذه هى الميزة التى قلت أنها ميزت هذه الرواية، أو كنا ننتظر أن تميزها، على الأصح.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة