خالد صلاح

عبد الناصر والأدباء .. كرم الحكيم وحبس يوسف إدريس وإحسان دلعه بـ "جيمى"

الإثنين، 28 سبتمبر 2020 09:00 م
عبد الناصر والأدباء .. كرم الحكيم وحبس يوسف إدريس وإحسان دلعه بـ "جيمى" ناصر وتوفيق الحكيم
كتب محمد عبد الرحمن

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
عاصر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كبار الأدباء المصريين، فكان عصره زاخرا بعمالقة الأدب المصرى، والذين لايزالوا أصحاب بصمة كبيرة في الثقافة المصرية والعربية، بعضهم اتفق مع أفكار ناصر والبعض الآخر اختلف معه، بعضهم جمعته علاقة خاصة بقائد ثورة يوليو، وبعضهم كان الخلاف واضحا طوال الوقت.
 
وتمر اليوم الذكرى الخمسين على رحيل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، إذ رحل عن عالمنا في 28 سبتمبر عام 1970، عن عامر ناهز حينها 53 عاما، أعاد حكم البلاد إلى أبناء الوطن من المصريين بعد عقود طويلة حكمها المماليك والعثمانيين وأسرة محمد على الألبانية.
 
كانت لعصر ناصر طبيعته الخاصة، نظرا لأنه جاء بعد ثورة عظيمة، كانت سببا في خروج الاستعمار وبدء حقبة هامة في البلاد، كما أن عصره يتميز عن غيره من رؤساء مصر بمعاصر رواد الفنون المختلفة، ومنها الأدب، فكيف كانت علاقة ناصر بكبار الأدباء المصريين ممن عاصروه؟
 

توفيق الحكيم

 
بحسب كتاب "جمال عبد الناصر وجيله" للبروفسور ب.ج. فاتكيوتس، فإن عبد الناصر له تأثر فى شبابه بكتابات العقاد والحكيم، وتنبأ الأخير نفسه بناصر، حيث تبنى فكرة خلود وإحياء مصر على يد بطل تاريخى الذي سيحيي الأمة من رقادها فى كتابه "عودة الروح" الذى صدر عام 1933، وعندما تقلد عبد الناصر رئاسة الجمهورية، قام الأخير بتأليف كتابه "فلسفة الثورة" عام 1954، وأهداه إلى هذين الكاتبين البارزين تقديرا لدورهما وتأثيرهما فى تشكيل أفكاره الوطنية.
 
ووفقا لما ذكره الكاتب محمد حمدى فى كتابه " قاموس التواريخ. المجلد الثاني: كشاف هجائي بالأحداث والقضايا والأشخاص" أن عبد الناصر منح الحكيم فى عهده، قلادة الجمهورية عام 1958، وكذلك جائزة الدولة التقديرية عام 1960، ووسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى فى العام نفسه، ولم يذكر أن "ناصر" منع أى عمل لتوفيق الحكيم، حتى عندما أصدر "السلطان الحائر بين السيف والقانون"، و"بنك القلق"، حيث كان الحكيم يهاجم النظام الناصرى ويدافع عن الديمقراطية، ووصل الأمر إلى أن عبد الناصر كان يستقبل الحكيم فى أى وقت وبغير تحديد لموعد، وهو ما أكده الحكيم نفسه فى جريدة الأهرام بتاريخ 15 مارس 1965، وبعد وفاة ناصر وأثناء تأبين الزعيم سقط توفيق الحكيم مغمى عليه وهو يحاول تأبينه، وبعد أن أفاق قال خطبة طويلة.
 
لكن توفيق الحكيم تبدل تماما بعد رحيل عبد الناصر، فيذكر الكتاب سالف الذكر، أن الحكيم أصدر كتابه "عودة الوعى" سنة 1972، وهاجم فيه عبد الناصر بعنف، واختزل موقفه من التجربة الناصرية التى بدأت كما ذكر: يوم الأربعاء 23 يوليو 1952، حتى يوم الأحد 23 يوليو 1973، واصفا هذه المرحلة بإنها كانت مرحلة عاش فيها الشعب المصرى فاقد الوعى، مرحلة لم تسمح بظهور رأى معلن مخالف لرأى المعبود، وأعلن فى كتابه أنه أخطأ بمسيرته خلف الثورة دون وعى!.
 

نجيب محفوظ

 
ربما لم يرتبط "محفوظ"، بثورة يوليو والرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، كما ارتبط بحزب الوفد وزعيمه التاريخى سعد زغلول، فرغم اعترافه بإنجازات "ناصر" التاريخية.
 
يقول الأديب الرحال فى مذكرات "أنا نجيب محفوظ": "عبد الناصر غير الحياة من جذورها، لقد حرر هذا الشعب من الإقطاع، وأصحاب رءوس الأموال المستغلين.. وأنا أعترف أن أكبر نصير للفقراء فى تاريخنا كان جمال عبد الناصر"، وتابع: "المصيبة الوحيدة فى حكم عبد الناصر هى تأجيل ممارسة الديمقراطية، لقد طلب من المصريين اعتزال السياسة فتحول المصرى من كائن فعال منتم إلى سلبى متفرج".
 
ومن الازمات التي ربما جمعت ناصر بنجيب، هو أزمة رواية "ثرثرة فوق النيل" التي رفضها بعض رجال الثورة من بينهم المشير عبد الحكيم عامر، الذى رأى أنه تهاجم سلبيات النظام، لكن وزير الثقافة الأسبق ثروت عكاشة دافع عن الرواية، وحين ألتقى نجيب بالرئيس «أكد له كما يقول محفوظ، أنني أنبه إلى أخطاء موجودة وليس لدي سوء نية في مهاجمة نظام الحكم. ثم قال له: إن من الضروري أن يتوافر للأدب قدر من الحرية لينقل صورة واقعية حقيقية عن المجتمع.
 
وهو نفس الأمر الذى أكد الأديب العالمى خلال لقاء تليفزيونى قديم مع الإعلامى مفيد فوزى، أن الخطأ الأكبر الذى وقع فيه النظام الناصرى، هو الديكتاتورية، واصفًا إياها بأم الكبائر، مشيرًا إلى أنها قضت على أى عمل جيد قام به الرئيس الأسبق، وقضت عليه هو نفسه.
 

العقاد

 
لم يكن الأديب الكبير عباس محمود العقاد العقاد من المعارضين للثورة لما علق على كتاب فلسفة الثورة، بل كان تجاهله تماما، ومن دلائل حماس العقاد على تأييد للثورة ورجالها وعبدالناصر، اللقاء الذى تم فى قصر الرئاسة بين عبدالناصر والعقاد وبعض الأدباء، ففى عام 1958 عقد فى القاهرة مؤتمر للأدباء العرب وبعد انتهاء المؤتمر طلب الأدباء مقابلة الرئيس لمناقشته فى بعض الأمور، وكان أن دعاهم عبدالناصر للقائه فى قصر الرئاسة بالقبة، وفى مكتب الرئيس قبل دخول الأدباء وقف عبدالناصر وسأل الكاتب يوسف: هل الأستاذ العقاد موجود؟ فأجاب السباعى بأنه موجود بالفعل، الأمر الذى جعل عبدالناصر يبتسم قائلا: هذه أول مرة أراه.
 
اللقاء الثانى كان عند تسلم العقاد جائزة الدولة التقديرية - والتى كانت تمنح للجامعيين فقط- تقديرا لفكره وإسهامه فى الفكر العربى، وتسلمها العقاد ولم يرفضها كما تردد، وقيل إن بعض أعوان عبدالناصر أرادوا أن يظهر العقاد منحنيا وهو يصافح عبدالناصر يومها، فوضعوا أمام عبدالناصر منضدة عريضة بالشكل الذى يجعل العقاد ينحنى عند مصافحته للرئيس، ولأن العقاد كما كان عملاقا بعبقريته كان عملاقا فى تكوينه الجسدى، وعبدالناصر أيضا، فلم ينحن عملاق الفكر العربى لعملاق الزعامة فى الوطن العربى، ويومها قال العقاد كلمة تنفى أنه كان جافا مع عبدالناصر"فى هذه الهالة من حضرة الرئاسة السامية".
 

إحسان عبد القدوس

 
كان عبد الناصر من قراء إحسان قبل ثورة 23 يوليو 1952، كما أن العلاقة بينهما كانت حميمية لدرجة أن إحسان كان يناديه بـ«جيمى» حتى اعتقله من 28 أبريل إلى 3 يوليو 1954، وبعد الإفراج عنه دعاه عبد الناصر لتناول العشاء معه، وعندما وصل إلى بيته جاء عبدالناصر لاستقباله ثم دعاه للدخول إلى حجرة الصالون قائلا: اتفصل يا إحسان! لكى أتقدمه فى الدخول من الباب باعتبارى ضيفا لكنى تسمرت وقلت له: العفو يا أفندم..اتفضل سيادتك!
 
يتذكر إحسان: «كانت إجابتى مفاجئة له إذا كنت أناديه من قبل يا «جيمى» فقال لى: جرى إيه يا إحسان أنت اتغيرت خالص.. وكررت: اتفضل سيادتك يا أفندم.. المهم إننا جلسنا نتحدث ثم تعشينا وهو يحدثنى فى كل الموضوعات ولما لاحظ تغيرى دعانى لتناول العشاء معه فى اليوم التالى وقال لى: «مش معقول أنت اتغيرت خالص ..أنا لازم أعالجك نفسيا، وضحك!».
 
ويقول إحسان "قصد عبد الناصر إذابة الجليد الذى أفرزه السجن حتى يعود إلى طبيعة علاقتنا فاستمر يدعونى للعشاء يوميا لشهر كامل، نتحدث ونتعشى ونتفرج على السينما، لكنى أبدا لم أتغير «تعلمت- وهذا أثر ما حدث- أن أضع حاجزا ما بينى وبين من أعرف وصار حاكما، إن مسؤولية الحكم تفرض نمطا معينا على من يتولى السلطة، وبالتالى على تصرفاته وتصرفات المتعاملين معه».
 

يوسف إدريس

 
كان اللقاء الأول الذي جمع يوسف إدريس وجمال عبد الناصر، عقب قيام ثورة يوليو مباشرة، استقبله ومرسي الشافعي، مدير تحرير جريدة المصري بوقار وهدوء، دارت تفاصيل اللقاء داخل غرفة نوم بسيطة للغاية للبكباشي جمال، كان يرتدي وقتها بيجاما مقلمة، يصفه يوسف جيدًا ويقول: «بمجرد ما رأيته عرفت أنه الرجل القوى، أعجبت به كثيرًا وتأثرت بشخصيته كان يستمع إلينا بطول بال شديد وصبر أشد، كان لا ينظر في عينيك وأنت تتحدث إليه، وفجأة تنقض عيناه على عينيك في لمح البصر، تحس أنها نظرة غدرت بك فجأة، أخذتك دون استعداد، فإذا خطر في بالك أن تكذب في وجوده أو حتى تتفوه بشيء ينتابك خوف مجهول على الفور».
 
كان عبد الناصر منظمًا كتومًا يسمع أكثر مما يتحدث، وكان يوسف على النقيض صريحًا، فوضويًا، وساخطًا، وربما هذا الاختلاف كان سببًا رئيسيًا في إعجاب الأخير بجمال عبد الناصر، أولى لقاءاتهما كانت بسبب رواية الهجانة التي أغضبت السودانيين وقتها، وكذلك أغضب محمد نجيب رئيس الجمهورية آنذاك - فهو بطبيعة الحال نصفه سوداني-، ولا سيما أن الرواية تطرقت إلى مخاوف الكاتب، أن تتحول الثورة إلى مجرد انقلاب عسكري لضرب الحركة الوطنية، ويقول: «ذهبت أتوسط لديه لتهدئة الأجواء دون أن يلاحقني مصير عبد الرحمن الشرقاوي، الذي اعتقل بقرار من محمد نجيب على خلفية نشر رواية مسلسلة باسم «الأرض» كتب فصلا فيها عن تصرفات عساكر الهجانة مع الفلاحين».
 
قصة «الهجانة» التي نشرت في مجموعته الاولى «ارخص ليالي»، فعلى الرغم من انها صادرة في سلسلة حكومية هي الكتاب الذهبي وكان يشرف عليها يوسف السباعي فإنها اتهمت مع كاتبها يوسف ادريس بالتنديد بالثورة، وتصوير رجالها في صورة الغاصب المستبد، خصوصا انها نشرت في اعقاب ازمة مارس 1954 الشهيرة، وهي حسب مدلول اسمها تصور كتيبة من جنود الهجانة تسطو على قرية وتحتلها وتعيث فيها فسادا، وبسببها اعتقل يوسف ادريس وقضى في السجن حوالي عاما ونصف العام، وكان مقررا له ان يستمر طويلا رهن الاعتقال.
 
وصلت حالة التوتر إلى الذروة، عندما أجرى يوسف إدريس حوارًا صحفيًا، مع أنور السادات نشر في جريدة الجمهورية، تركز محاوره حول فكرة الاتحاد القومي، وخلال المقابلة سأله الصحفي الشاب، هل يسمح بدخول الاتحاد، من مارسوا نشاطًا سياسيًا من قبل؟!، لأجل هذا السؤال قامت الدنيا، وغضب جمال عبد الناصر، الذي هاتف الأستاذ محمد حسنين هيكل حينها، وسأله هل قرأت حوار يوسف إدريس مع السادات؟ فأجابه نعم، رد ناصر: «دا مش رأي السادات دا رأي الشيوعيين في الاتحاد القومي».

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة