منذ منتصف القرن الماضي والحكومة المصرية تولى الشأن السكانى اهتماما خاصا حيث بات يمثل قضية أمن قومى ، وتلقى الدولة الضوء على القضية السكانية من ان لاخر بإطلاق حدث جديد يضع القضية السكانية فى بؤرة الاهتمام .
ومن الفاعليات التى اطلقتها الدولة المصرية كان اليوم القومى للسكان والذى تم الاحتفال به اول مرة يوم ٣١ يوليو عام ٢٠١٦ تحت رعاية وبحضور السيد المهندس شريف اسماعيل رئيس مجلس الوزراء فى ذلك الوقت .
وهذا العام يوافق الذكرى الخامسة لإطلاق هذه الاحتفالية و بهذه المناسبة نقول ان من اهم التحديات التى تواجه البرنامج السكاني فى مصر هو الوصول بمعدلات الخصوبة (اى متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة في حياتها كلها ) إلى مرحلة الاحلال او مرحلة الثبات او ما يطلق عليه انعدام النمو السكاني حيث يكون عدد الاشخاص في مجموعة سكانية معينة لاينمو ولاينخفض اى أن عدد المواليد بالاضافة الى الوافدين يساوون عدد الوفيات بالإضافة إلى المهاجرين
ونحن نرى ان البداية لتحقيق هذا الإنجاز هو حوكمة ملف السكان و" الحوكمة "هي
إحدى أهم الإجراءات التي يجب ان تتبناها الدولة لرفع أداء المؤسسات الحكومية وهو مصطلح يعزز فكرة "الحكومة الإلكترونية" من خلال تسهيل عملية تدفق المعلومات بين الجهات الحكومية وبعضها وهي أيضا تدعيم مراقبة نشاط الملف ومتابعة مستوى أداء القائمين عليه لان الحوكمة تهدف إلى التأكد بأن الملف ينتج نمطا مجديا من النتائج الجيدة مع تجنب النمط غير المرغوب مهما كانت الظروف سيئة ، ايضا مفهوم "الحوكمة" من شأنه المساهمة في القضاء على الفساد في كل أجهزة الدولة حيث تساعد التعاملات الإلكترونية على إحكام الرقابة على الصرف والميزانيات ومراقبة تنفيذ البرامج والمنح .
واذا قمنا بتنفيذ هذا الإجراء على ملف السكان فإن ذلك من شأنه تعزيز مراقبة الأداء والتاكد ان كل جهة فى الدولة تقوم بالدور المنوط بها فى الاستراتيجية القومية للسكان حيث تعتبر الحوكمة من أهم المتطلبات والضروريات الحتمية التي أضحى تطبيقها أساساً في الآونة الأخيرة لضمان تنظيم العمل في كافة المنظمات لغرض وضع قواعد ومبادئ لإدارة اى ملف والرقابة عليه، وتطبيق أسلوب الإدارة الرشيدة وهذا مانفتقده فى ادارة هذا الملف الهام
والدليل على ذلك أن الاستراتيجية القومية للسكان قد وضعت خطة للحد من الزيادة السكانية و وضعت الأدوار لكل جهة من شركاء العمل فى هذا الملف ولكن النتيجة ليست المرجوة فمثلا
كان من المفترض عند وضع أهداف وأنشطة الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية (٢٠١٥- ٢٠٣٠) أن يؤدي ذلك إلى وصول عدد سكان مصر في ٢٠٢٠ إلى٩٤ مليون نسمة ولكن الواقع أن عدد السكان في مصر وصل ١٠٠ إلى مليون نسمة في ١١ فبراير ٢٠٢٠ أي بواقع ٦ ملايين نسمة زيادة عن المخطط
وكذلك كان المخطط إذا تم تنفيذ الاستراتيجية القومية للسكان أن يصل عدد السكان في مصر عام ٢٠٣٠ إلى ١١٠ مليون نسمة، ولكن التوقعات الحالية تشير إلى أن عدد السكان سوف يصل إلى ١١٩ مليون نسمة بحلول ٢٠٣٠، بزيادة ٩ مليون نسمة عما كان مخطط له، وهذا يطلق جرس الإنذار ويفرض حوكمة الملف فى اسرع وقت حيث ان الحوكمة هى نتيجة نهائية لعمليات متعددة الأوجه وطويلة الأمد يجب التخطيط لها جيداً وتنفيذها بعناية، وأن يكون هناك إيمان لدى القائمين على هذا الملف المصيرى لمصر بالأثر الإيجابي لتطبيق المراقبة والمتابعة لضمان الوصول الى الكفاءة، والفاعلية، والاستدامة للنتاءج المحققة وليس الثبات او التراجع وللاسف هذا ما حدث فى التجربة المصرية
ففى عام ١٩٨٠ كان معدل الانجاب الكلى فى مصر ٥.٣ ( ومعدل الانجاب هو متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة في حياتها كلها)، وفى عام ١٩٩١ كان معدل الانجاب ٤.١ وفى عام ٢٠٠٠ حققنا نجاح بوصولنا الى معدل إنجاب يساوى ٣.٥ وواصلنا النجاح عام ٢٠٠٨، وأصبح معدل الانجاب الكلى فى مصر ٣ ولكن للأسف بدل من الوصول إلى المعدل المتوقع وهو ٢.٤ حدثت ردة وعدنا مرة أخرى فى عام ٢٠١٤ إلى معدل إنجاب يساوى ٣.٥ مثل الذى تحقق فى عام ٢٠٠٠اى اننا لمده ١٤ عام لم نحقق اى تقدم يذكر فى هذا الملف
وبمتابعة لغة الأرقام نجد اننا وصلنا فى عام ٢٠٢٠ إلى معدل إنجاب يساوى ٣.٠٧ اى تقريبا نفس المعدل لعام ٢٠٠٨ مايعنى اننا فى خلال ١٢ عام لم نحقق اى تقدم يذكر
لذلك نحن فى حاجة ماسة لحوكمة الملف ووضع نظام متابعة وتدقيق ومراقبة للحفاظ على المكتسبات والانطلاق بخطوات ثابتة فى هذا الملف الهام
إن الدولة المصرية قد دخلت فى مواجهة المشكلة السكانية منذ عام ١٩٦٥ ، أي أن عمر هذه التجربة قد اقترب من ٦٠ عاماً، خضعت خلالها للمراجعة والتقييم الذى يمكننا من الإجابة على السؤال الذي يطرح نفسه وهو ماذا حققنا وإلى أى مدى قد وصلنا وماذا نحتاج حتى نحقق أكثر مما تحقق ، وبطبيعة الحال فإن ما تحقق لايتكافأ مع ماكنا نطمح إليه
أ.د: عمرو حسن
مقرر المجلس القومي للسكان السابق