أنت خائف وأنا مثلك تماما، أنت تكره هذا اليوم الذي سمعنا فيها نبأ انتشار هذا الفيروس اللعين وأنا أيضا، أنت متوتر، قلق، ملول، تائه، تتابع الأخبار فلا تزيدك إلا وجعا، تسمع التحليلات فلا تزيدك إلا حيرة، تترقب الحلول فلا تصاب إلا بالكوارث، العالم كله يتفرج على العالم كله، ندعو الله جميعا أن يبل ريقنا بخبر يزيح تلك الغمة، بنبأ صادق واحد وحيد في وسط كل هذه الأنباء الكاذبة، الصورة قاتمة، نعم، الطريق بلا معالم، نعم، لكن مع كل هذا يوجد شيء نبيل يحدث، شيء لم يحلم به أكبر مبشري الإنسانية، شيء مفاجئ وجميل وشاعري.
نعم وسط هذا الوباء يوجد شيء جميل، فقد اكتشف الإنسان أخيرا أنه "إنسان" تلاشت الفوارق الاجتماعية، راحت العنترية الأمريكية والعنصرية الأوربية في ألف داهية، تلاشت أحقاد أبناء العالم الثالث، الفقير يواجه ذات الأزمة التي يواجهها الغني، أبسط عامل في الصين يصاب بنفس المرض الذي أصيب به الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا العظمى، أدرك الأغنياء أخيرا أن أمنهم وسلامتهم تكمن في أمن من حولهم وسلامتهم أيضا، أنما نكون تدركنا كورونا ولو كنا في قصر "كلارنس هاوس" أو في سوق شعبي في البرازيل.
الخوف واحد، والمصير واحد، درس قاس تعلمناه، ونرجو من الله أن نحفظه جيدا، نرجو من الله أن يجعلنا دائما بشر، نرجو من الله أن يذكرنا دائما بما ننسى، وفي الغالب نحن ننسى إنسانيتنا، ننسى أننا بشر وأننا ضعفاء، نتجبر على بعضنا البعض، نتنمر ببعضنا البعض، نتفاخر بالزيف، ونتحصن بالخواء، وننسى أن كائن لا يرى بالعين المجردة استطاع أن يشل حركة التجارة العالمية، وأن يسجنا في بيوتنا مثلما نسجن الدواب.
كورونا تعلمنا، فهل نتعلم؟ كورونا البشعة المخيفة الباطشة المتجبرة أيقظت فينا الإنسانية، أيقظت فينا وعيا كبيرا متناميا بأننا "بشر" استطاعت تلك المحنة أن تزلزل جوارحنا الميتة، أن تجعل خبر موت إنسان في أقاصي الأرض مصيبة شخصية لكل واحد فينا، كورونا جعلتنا نشتاق إلى اللمة والونس، إلى الأصحاب والأشقاء، إلى الحرية والحركة، بعدما كنا نتعامل مع هذه الأشياء بمزيد من الاستعلاء، كورنا جعلتنا ندرك أن الحياة "حلوة" وأننا نخطئ حينما نتجاهل حلاوتها ونغرق في الأحقاد والضغائن والصراعات والمناطحات.