خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

حازم حسين

صفعة مدغشقر

الثلاثاء، 09 يوليه 2019 07:05 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
لا تحتاج مُدرّبًا بأكثر من مليونى جنيه فى الشهر، ولا لاعبًا شهيرًا يُعادل ثلاثة مليارات، حتى تُوقِّع بالحضور فى بطولة كنتَ أحد فرسانها طوال تاريخها، وصنعت مشهدًا مُدهشًا فى تنظيم نسختها الأخيرة، مُتفوّقًا على الظروف وعقارب الساعة. تحتاج فقط أن تكون مُخلصًا ومُقاتلاً ونظيفًا، وأن تستحقّ شرف اللعب تحت راية المنتخب وتمثيل بلدك، وهذا ما عجز عنه منتخبنا المُدجَّج بالنجوم والأثرياء، وحقَّقته مدغشقر بحفنةٍ من المجهولين، والمُهرولين من الخلف باتجاه المجد ومنصَّة التتويج!
 
على امتداد إحدى وثلاثين نسخة من كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم، عجزت مدغشقر عن الوصول إلى ساحة المنافسة. لم تتأهَّل فى تسع عشرة بطولة، ولم تُشارك أصلًا فى ثمانٍ، وانسحبت من ثلاثٍ، وعُوقبت بالإيقاف فى واحدة، ولولا زيادة المتنافسين من ستّة عشر إلى أربعٍ وعشرين، رُبّما لم تكن لتصل إلى «كان 2019»، لذا تعامل معها الجميع منذ اللحظة الأولى كضيف شرف، وتوقَّع كثيرون أن تكون حصّالة نقاط لمجموعتها، وللوهلة الأولى لم تكن تلك الرؤية خارج المنطق، أو بعيدةً عن التوقُّع!
 
لم يخسر منتخب مدغشقر بطاقته فى التصفيات المؤهِّلة للبطولة، لكنه حلَّ ثانيًا بفارق ستّ نقاط عن السنغال، لهذا رُبّما لم يكن أمر صعوده مُلفتًا، ولهذا أيضًا كانت المفاجأة صاعقةً مع هيمنته على المجموعة الثانية فى البطولة، ووصوله الأدوار الإقصائية ببطاقة المُتصدِّر، بعدما جمع سبع نقاط من تعادل وفوزين، أحدهما على منتخب نيجيريا بتاريخه العريق وسُمعته القارية المرعبة، وحمله اللقب ثلاث مرّات سابقة!
 
جاء الجواميس، أو الملجاشى «لقب مُنتخب مدغشقر» من جزيرة قبالة الساحل الجنوبى الشرقى لأفريقيا، تمتدّ على 587 ألف كيلو متر مربع، ويقطنها 22 مليونًا بحسب أحدث الإحصاءات، قرابة 70% منهم دون خطّ الفقر العالمى «دخل الفرد دولار ورُبع يوميًّا»، ولا يتجاوز ناتجها الإجمالى 20 مليار دولار، يقفز إلى 39 مليارًا بحساب تعادل القوّة الشرائية «قوّة العملة المحلية فى سوقها قياسًا على العملات الرئيسية فى أسواقها» ويقف احتياطى النقد الأجنبى لديها عند أقل من 1.7 مليار دولار.
 
البلد ذو النظام شبه الرئاسى، الذى يتقاسم سلطاته الرئيس أندريه راجولينا، مع رئيس الحكومة روجيه كولو، مع برلمان من غرفتين تشريعيّتين، تبدو أموره السياسية مُستقرّةً، لكن لا يتجاوز اقتصاده حجم شركة عالمية مُتوسِّطة. فى الحقيقة فإن ثروة جيف بيزوس مؤسِّس أمازون، أو بيل جيتس مالك مايكروسوفت، أو مارك زوكربيرج مؤسِّس فيس بوك، أضعاف ثروات مدغشقر ومدخولاتها وناتجها وأنصبة مواطنيها السنوية. والحقيقة الأكثر صدمة أن سعر محمد صلاح، نجم ليفربول الإنجليزى، يُوازى 10% من الاحتياطى النقدى لها وقرابة 1% من ناتجها السنوى!
 
إذا كان «صلاح» ينافس اقتصاد مدغشقر، فلا مجال للمقارنة بين سعره وأسعار لاعبى الجواميس. تراهن الجزيرة الضخمة القابعة فى المحيط الهندى على فريق شاب، قوامه من المُحترفين، لكنهم مُوزّعون على أندية عربية وأمريكية وتركية وأفريقية وفرنسية مُتواضعة. تزيد قيمة محمد صلاح على خمسة عشر ضعف منتخب مدغشقر كاملاً «150 مليون يورو للأول و10 ملايين للثانى»، ويُوازى راتبه فى 10 شهور تقريبًا السعر الإجمالى للجواميس، لكنهم فى المقابل يتفوّقون على الفرعون باهظ السعر والدخل فى الروح والأداء والنتائج، ورُبّما فى الإخلاص للقميص الذى يرتدونه والراية التى يلعبون تحتها!
 
لم يفعل محمد صلاح ورفاقه أى شىء فى أمم أفريقيا، بينما فعل الجواميس كل شىء، بأقلّ قدر من الكُلفة والرفاهية والنجومية والتعالى على الجمهور، وبأقصى ما يُمكن من الاجتهاد والتحدِّى وصيانة اسم الوطن. رُبّما يرتبط الأمر فى جانب بأن مدغشقر لا تعرف الجبلاية وفسادها، لكنه يرتبط فى جوانب أخرى بأنّ لاعبيها يعرفون ما يتعيّن عليهم فعله، ولا يُراهنون على الشعارات قدر ما يُراهنون على المثابرة والعمل الجاد.
 
بدأ اتحاد مدغشقر فى 2016، برئاسة أحمد أحمد قبل أن يتولى الاتحاد الأفريقى «كاف»، خطةً طموحةً لإعداد فريق للمستقبل، وتبدَّلت قيادة الاتحاد ولم تتبدَّل الرؤية أو ينسحق المشروع تحت أحذية الطامعين والفاسدين، كما حدث من عصابة الجبلاية. استعان الجواميس بالفرنسى نيكولا ديبوى مُستشارًا فنيًّا، قبل أن يتولَّى الفريق رسميًّا فى مارس 2017، وخلال سنتين فقط أعاد صياغة المنظومة، وإضفاء شخصية ونكهة على المنتخب الوليد، ليبدأ التجربة الجادة من تصفيات أُمم أفريقيا، ويقف الآن مُلتقطًا أنفاسه قبل دور الثمانية، استعدادًا لاستكمال مساره باتجاه اللقب.
 
المؤسف أن «ديبوى» يتقاضى 7 آلاف يورو فقط فى الشهر «أقل من 6.5% من راتب المكسيكى خافيير أجيرى مع منتخب مصر»، أى أن إجمالى ما تحصّل عليه طوال 26 شهرًا قضاها مع منتخب مدغشقر 182 ألف يورو، مقابل 1.2 مليون يورو نهبها «أجيرى» فى 11 شهرًا فقط، بسبب سماسرة اتحاد الكرة والمتربحين من صفقاته. أما على صعيد الأداء فإن الفارق شاسع للغاية فى العمل والفاعلية والنتيجة والشرف، ويزيد الفرنسى بأنه لا تلاحقه اتهامات فساد وبيع مباريات كما يحدث مع المكسيكى فى إسبانيا.
 
فى 4 مباريات خاضها منتخب مدغشقر، كان المستطيل ساحة حرب طوال 390 دقيقة «لعب شوطين إضافيين مع الكونغو حامل اللقب 1972»، أطاح بفريقين لديهما 4 بطولات، ولم يخسر مواجهة واحدة، ولو أحصيت أفضل عشر مباريات فى البطولة حتى الآن ستجد بينها ثلاثًا للجواميس. بينما فى مبارياتنا الأربع كانت الدقائق كلّها مهزلةً مفتوحة، بين لاعبين محدودى الجهد والإخلاص، ونجوم يتمشّون على سيقان زجاجية ويشتبكون بأطراف أنوفهم، ومدير فنّى لا يملك أيّة رؤية، وعاجز عن صناعة الفارق، أو حتى تثبيت المشهد هروبًا من الفضيحة!
 
ما رآه البعض مُفاجأةً من مدغشقر فى مرحلتى المجموعات والستّة عشر، رُبّما يتكرّر فى دور الثمانية، رغم صعوبة المواجهة المُرتقبة. الصورة التى رأيناها تشى بأننا أمام فريق جاء كى يُثبت حضوره، ولم يأتِ للتعالى أو البحث عن سماسرة وعروض انتقال، أو الطمع فى جائزة دولية، أو مزيد من عقود الرعاية والإعلان. الواضح أنهم يضعون البطولة نُصب أعينهم، وهم يستحقّون أكثر ممّا حقَّقوه حتى الآن، وسواء أفلحوا فيما يبتغون أو أخفقوا، يكفيهم ما صنعوه من حضور مُشرقٍ فى أولى تجاربهم القارية، وما اكتسبوه من تقديرٍ واحترام، لا ينافسهما فى الكثافة والثقل إلا حجم الغيظ والغضب اللذين أكلا الجمهور المصرى، واللعنات التى شيَّع بها مُنتخبه الفاشل، واتّحاده المُكلَّل بالعار والمُحاط بشُبهات الفساد.
 
ربما نرى منتخب الجواميس فى المُربّع الذهبى، وقد يكافئه القدر بما يُوازى جهده، فنراه فى المباراة النهائية، أو يرتقى منصَّة التتويج، مُطيحًا بالكبار، ومُسجّلًا إدانةً عملية لكل المُتعالين والمنفوخين بالهواء الخفيف. لكن سواء تحقَّق هذا أو انتهت الرحلة فى دور الثمانية، فإن ما سطَّروه من نجاحٍ فى «كان 2019» يظلّ مصدر عزَّة وفخرٍ لهم، وللأشقاء فى الجزيرة الطيبة شرقىّ أفريقيا، والأهم أنه صفعةٌ على وجوه الفشلة والفاسدين، صفعةٌ لمُتوسِّطى الموهبة والكفاءة، الذين أغراهم الحظُّ حتى أكلتهم التجربة، وأعطتهم الدنيا مُصادفةً؛ فظنُّوا أنهم يستحقُّون العطيَّة فعلًا، لعلّهم يستوعبون الدرس، أو يستفيدون بخروجهم المُهين فى الجلوس أمام الشاشات، مُتفرِّجين وتلامذةً، ليتعلَّموا الإخلاص والشرف والبطولة من فُقراء مدغشقر!

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

الموضوعات المتعلقة

سماسرة الكوارث فى الجبلاية

الإثنين، 08 يوليه 2019 07:00 ص

أم الدنيا و«نُص»

الأحد، 23 يونيو 2019 10:00 ص

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة