خالد صلاح

كريم عبد السلام

«أزمنة الشعر» - 14.. محمد رياض والخروج فى نهار القصيدة

السبت، 06 يوليه 2019 03:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
الشاعر محمد رياض، من خلال ديوانيه «الخروج فى النهار – دار ميريت 2014» و«يارا- دار روافد 2015»، يمثل إرباكا حقيقيا لمنظرى قصيدة النثر المصرية الذين حاولوا حصرها بين مجموعة من الكليشيهات المنتزعة من سياق الكتابات النقدية الغربية حول بدايات قصيدة النثر هناك، كما يمثل تشويشا على أصحاب الكتابات النقدية المرسلة، الذين حولوا «ما بعد الحداثة» من نزوع نقدى إلى رؤية التجاور والتشطى فى عالم اليوم وفى التجليات الإبداعية أيضا، إلى نوع من النموذج الكتابى يبدأ وينتهى بشكل محدد للأداء ومجموعة من الأغراض لا تخرج عنها القصيدة والشاعر وإلا حرما من التصنيف الذى يتماهى مع التجديد بينما يحيل فى جوهره إلى البؤس والفقر فى الفهم والنظر والتلقى.
 
منذ عشرين عاما وأكثر ونحن نكتب ونصحح ونسخر ونشتم أحيانا هؤلاء البلهاء الذين تصوروا وجود باترون للحداثة الشعرية أو ما بعدها، بل كانوا يكتبون بجرأة الغافلين الجاهلين عن عناصر وصفة سحرية لكتابة قصيدة النثر الجديدة ويجدون لها نماذج وتطبيقات، ومن كثرة هذا الغثاء، أصبحنا نعانى مما يعرف بالقصيدة المشاع، ومن الوعى الزائف والغالب على أذهان كثير من الشعراء الطالعين الذين احترقوا بالنار الخاملة لهذا الوعى الزائف، فلم يتعمدوا بالشعر وارتبك أداؤهم الجمالى وتاهوا بين التائهين،
 
كنا نقول إن القصيدة كالموت، قدر شخصى، لا يصح أبدا جمعها، وإن الشاعر فرد أحد لا ينبغى الحديث عنه فى صيغة الجيل المتطابق الذى يفتح العالم جماليا، وكأن جرة القلم بين الشعراء واحدة، ومقاصد الكلمات واحدة، وضربة المفردة فى الغيب واحدة، وتشكيلات الصور واحدة، وتركيبات المشاهد واحدة، والرؤية واحدة، أو كأن الإيمان بالشعر واحد والانفلات واحد، والوعى واحد، والإدراك واحد، واليقين واحد، والإغواء واحد، والغضب واحد، واليأس واحد، والانكسار واحد، والحب واحد، والبكاء واحد، والفقد واحد، وانتزاع العبارة من رحمها واحد، بالطبع لا، فكل شاعر صمد فرد، وكل قصيدة علامة، وكل إدراك مصير.
 
ها نحن، بعد أكثر من عشرين عاما على تلك التنظيرات الفارغة التى واجهناها فى وقتها، وذلك الوعى المشاع الذى حذرنا من استسهاله وغوايته، نحتفى بديوانى محمد رياض «الخروج فى النهار» و«يارا»، فلماذا نحتفى بهما؟ سؤال مسكوت عنه، محمد رياض هو شاعر الجماليات القديمة بامتياز، شاعر النشيد، النشيد النشيج والنشيد الغرام والنشيد السؤال والنشيد الغضب والنشيد الحكمة والنشيد البوح والنشيد الغناء والنشيد القصاص والنشيد الحلم والنشيد الفخر والنشيد الاعتراف، 
 
كما أنه أيضا  شاعر الرثاء والبكائيات، شاعر الأنا المتوحدة مع القضايا الكبرى – مع تحفظنا على وجود قضايا كبرى أو صغرى – شاعر الجمال السياسى والاجتماعى والأيديولوجى على خطى أمل دنقل، شاعر الالتزام الرومانسى على منوال محمود درويش، شاعر الاغتراب ونقد المدينة المتوحشة على طريقة الماغوط
 
لماذا نحتفى بديوانى محمد رياض، وهما يستحقان الاحتفاء بالفعل، إذا كان شاعر الجماليات القديمة؟   لكأن جوهر الشعر إذا تجلى فهو غالب على الشكل، ولكن أليس الشكل معنى؟ ألم نتعلم أن الشكل محايث للمعنى وأحد تجلياته؟ نعم، ولكن من قال إن الأشكال المطروقة فى زمن ما لا يجب أن تستدعى؟ من جزم بأن الأساليب المعروفة فى التعبير الجمالى محرم علينا أن نستخدمها من جديد، وكأننا نستبعد من أسلحتنا بعضها بدعوى أن غيرنا حارب بها وانتصر! ما معنى الحرية إذن إذا قصرناها على الجديد الذى نعرفه؟ أليست الحرية هى تصور الشاعر عن تنظيم العالم وإعادة ترتيبه وفق ما يراه؟ أليست الحرية هى اختيار الشاعر؟ ماذا لو اختار الشاعر أن يعبر بجماليات قصيدة التفعيلة أو القصيدة العمودية أو قصيدة الموشح؟ الحرية إذن هى إرادة وتصور الشاعر فى زمنه ليبقى بعد زمنه، هى اختياراته بشرط تحققها جماليا وارتباطها بالصدق بما يجعلنا نقبلها.
 
أنا شخصيا، أحتفى بديوانى محمد رياض، لأنهما علامة على الحرية الجمالية الحقة، ليس لأن الشاعر يتصدى لكتابة الثورة المصرية والدفاع عن المحتجزين، لا، بل لأنه يعى جيدا اختياراته الجمالية بعيدا عن آفاق الوعى المشاع والقصيدة الجماعية والنزوع نحو التشابه حتى فى المعجم المستخدم، ولأن الشاعر لم يخش انحيازاته الجمالية أن تكون متماسة مع شعراء كبار سابقين عليه، ولم ترهبه الصيغ الرائجة للكتابة المنبتة عن سياقاتها الاجتماعية والسياسية، كما أنه أدرك مسؤوليته عن اجتراح حريته هو، وكيف يختار جماليات الكتابة التى يحبها حتى لو كانت وثيقة الصلة بآبائه الشعريين
 
الوصول إلى هذه الحرية الشخصية فى الفن صعب، وقد يظل الشاعر والكاتب والفنان سنوات طويلة ينتج أعمالا إبداعية وهى محبوسة فى شكل رائج لا يحبه ولم يختره، وإنما دفع إليه دفعا بحكم الجيل أو بحكم الموجة التطورية أو بحكم انفجار إبداعى ما، لكن القوس العام لا ينتج أبدا إضافة شخصية ولا يصنع فنانا أو شاعرا، حتى لو كانت قشرته جديدة زاهية، فسرعان ما سيأكلها الصدأ وتسقط فى النسيان
 
الإضافة التى تحسب للشاعر محمد رياض فى سياق قصيدة النثر المصرية، إنه استطاع إعادة تقديم الشاعر التراجيدى من زاوية حدث كبير مازال حاضرا بقوة فى الخيال والذاكرة والوجدان، الشاعر التراجيدى الرائى والأعمى، الحالم واليائس معا، النبى والباحث عن الحقيقة، المحب للحياة والباحث بقوة عن الموت، ومن هنا يأتى تعدد الأصوات والمشاهد والانتقالات بين الضمائر فى قصائده، ومن هنا يأتى التوحد بين الذات والموضوع بين الحبيبة والوطن بين الشاعر والشهيد، ومن هنا أيضا الاندغام بين الواقع والأساطير، فالأسطورة مادة التراجيديا، ولابد من رفع الوقائع المحسوسة إلى مرتبة الأساطير حتى تتحول الصور المارقة فى ذهن الشاعر إلى مقاطع ولوحات وقصائد تعلى من شأن الحقيقة الوحيدة، إن الوجود مرعب ورهيب وعبثى، لكننا مع الشاعر نكون ضد الاستسلام وضد البؤس وضد العزلة فى سجن الأنا الفردية المنبتة، بل مع مجالدة الحياة رغم أنها هى والموت واحد ومواجهة المصير المحتوم بما يجعل معركتنا مع العالم لها قيمة، وهذا هو دور الفن.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة