"ولا تحتقر ذا فاقة فلربما لقيت به شهما يبِر على المثرى، فرب فقير يملأ القلب حكمــــــة، ورب غنى لا يريش ولا يبرى"، قال هذه الكلمات الشاعر ورئيس وزراء مصر الأسبق، محمود سامى البارودى، ولعلها، أحد أدق ما قيل عن معاناة الشعراء مع الفقر.
وعلى مدار التاريخ الإنسانى، عانى العديد من الكتاب والشعراء في جميع أنحاء العالم خاصة الوطن العربى من الفقر وضيق ذات اليد، والتقرير التالى يبرز الشعراء الذين ماتوا فقراء.
الجاحظ

يعتبر الجاحظ من أحد كبار أدباء العصر العباسى، وبسبب اليتم والفقر كان يعمل فى مخبز وينام فى مكتبة كحارس لها بالليل، ويظل يقرأ الكتب على ضوء شمعة، حتى جحظت عيناه، وسمى بالجاحظ، وكان مثل آلة التصوير حيث إنه لا ينسى شيئًا يقرأه، وإذا قرأ كتابًا يحفظه في ذهنه وذاكرته.
ويذكر عنه أنه كان تاجرًا يبيع السمك، ترك التعليم ليعمل لأنه كان فقيرًا ويتيمًا، كان بعد ساعات العمل خلال النهار يذهب إلى الوراقين ليقرأ ويتعلم، كان معروفًا بأنه فكاهي وهزلي ويلاحظ الكثير من كتابته فيها الفكاهة والهزلية.
عبد الحميد الديب

عبد الحميد الديب شاعر وأديب مصرى، كما تسمى بـ"وريث الصعاليك" ولد فى يوليو من العام 1898م بقرية كمشيش، إحدى أعمال محافظة المنوفية بمصر.
ذكرت صعلكة عبد الحميد الديب وتشــرده، فى العديد من الروايات، التى أسهبت فى وصف فقر الديب وعائلته، فتذكر مثلاً أنه كان يرتدى الثياب الرثة، حتى فى الأعياد ومواسم الفرح شأنه فى ذلك شأن كثير من الأسر فى القرى المعدمة والفقيرة، إلا أنه لم يصبح كل أبناء تلك الأسر شعراء ذوى صوت يسمع، لذا لم نسمع بتفاصيل معاناة أحد منهم سوى "عبد الحميد الديب.
عباس العقاد

رغم الشهرة الذى حققها الأديب والمفكر الكبير عباس العقاد، والمكانة الكبيرة التى اكتسبها بين مثقفى جيله من عمالقة الفكر والأدب فى مصر مثل طه حسين، قاسم أمين، على عبد الرازق، مصطفى صادق الرافعى، وأحمد لطفى السيد، إلا أنه عاش فقيراً ومات فقيرًا، وفقره كما قدمنا بسبب كثرة خصوماته التى عزلته عن الناس بعد أن كبر سنه.
وهناك روايات تقال أن عباس العقاد عانى فى نهاية حياته من الفقر إلى أن وصل به الأمر لبيع بعض الكتب من مكتبته حتى يستطيع أن يوفر ما لا يعيش به، ورغم ما وصل إليه من شهره وإبداع عرفه العالم أجمع، وأصبح يدرس حاليًا في العديد من المراحل التعليمية، وبيرم التونسي الذي نفى إلى باريس وكان يأكل من صناديق القمامة وكتب كتابًا: "السيد وحرمه فى باريس".
أمل دنقل

الشاعر المصرى الكبير أمل دنقل، كان يقضى حياة مليئة بالقهر والظلم والفقر ما دفعه إلى أن يتجول فى طرقات القاهرة بحثا عن صديق يدفع له ثمن الغذاء، وعرفه المواطن العربى من خلال ديوانه الأول، "البكاء بين يدى زرقاء اليمامة" الذى جسد فيه إحساس الإنسان العربى بألم هزيمة 1967.
كان أمل دنقل يقيم فى القاهرة وحيدًا بعيدًا عن أهله في الصعيد، فقيرًا بوهيميًا يعيش حياة الصعلكة، وكما وصفه الكاتب الصحفى محمود الكردوسى فى مقال له بعنوان "(أمل دنقل): اسمى (لا تصالح)"، كان أكبر من الشعر والوجود والموت، وسيظل. ولد فى صعيد مصر، فى قرية «القلعة»، فى مدينة قفط بقنا عام 1940، وعاش بوهيمياً، فقيراً، معذباً، قلقاً، كارهاً، متشائماً، متعالياً، وكتب الكاتب أنيس منصور مقال بجريدة "الشرق الأوسط" بتاريخ 21 فبراير 2008، بعنوان "ثلاثتهم عاشوا وماتوا في عذاب!" تحدث فيه عن ثلاثة من الكتاب "أبو حيان التوحيدى، ابن حزم التونسي، عباس العقاد".
أحمد فؤاد نجم

دائمًا ما يلقب أبو "النجوم" بأخر الشعراء الصعاليك، فالراحل أحمد فؤاد نجم، غاب عن عاملنا فقيرًا بسيطًا فى منزل متواضع بجبل المقطم لكنه رحل أيضا غنيا بتاريخه النضالى وأشعاره الوطنية وأغانيه التى يفوح منها تاريخ الوطن وهموم مواطنيه.
ظل طوال حياته معارضًا ليس للسلطة فقط، ولكن أيضا للنخبة السلطوية، فلم يتورع نجم عن مهاجمة نجوم الفن والشعر فى عصره مثل عبد الحليم حافظ وأم كلثوم وصلاح جاهين، وقد كانوا جميعا ينعمون بالشهرة والمال والمكانة الاجتماعية والتقدير الرسمى من الدولة ما عداه هو فقد حظى فقط بالشهرة ومحبة الناس ولكنه ظل فقيرًا معدمًا وظل مطاردًا مطرودًا من الساحة الفنية الرسمية غير معترف به.