خالد صلاح

من هم "الجهاردية" وما علاقتهم بـ العثمانيين؟.. طائفة شيعية ابتكرت لعبة "الطاولة" ويؤمنون بحلول الله فى الجميلات.. استدعاهم محمد الفاتح لفتح القسطنطينية.. وأسطورة توراتية وراء دفعهم "سليم الأول" لاحتلال مصر

الأحد، 15 ديسمبر 2019 04:03 م
من هم "الجهاردية" وما علاقتهم بـ العثمانيين؟.. طائفة شيعية ابتكرت لعبة "الطاولة" ويؤمنون بحلول الله فى الجميلات.. استدعاهم محمد الفاتح لفتح القسطنطينية.. وأسطورة توراتية وراء دفعهم "سليم الأول" لاحتلال مصر الجهاردية - تعبيرية
كتب محمد عبد الرحمن

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

سلط مسلسل "ممالك النار" من تأليف محمد سليمان عبد المالك وإخراج المخرج البريطانى بيتر ويبر، الذى يدور حول الحقبة الأخيرة من دولة المماليك وسقوطها على يد العثمانيين فى بدايات القرن السادس عشر، الضوء على مرحلة فى التاريخ العربى ثرية فى الأحداث، كاشفًا العديد من الحقائق حول هذه الحقبة، وجاء ضمن أحداث المسلسل ما يعرف بالجماعة الجهاردية، وهى التى ساعدت السلطان الغازى سليم الأول على احتلال مصر، وإسقاط حكم المماليك.

وكلمة جهاردية من "جهاردة" وهو رقم 14 باللغة الفارسية، الذى يؤدى إلى علم طلسم الكون بالأرقام، خاص بعلم السحر وطلاسم الكون وعلم السيمياء (أسرار الحروف).

وبحسب الباحث عمرو عبد الرحمن فى دراسة بعنوان "الجهاردية العثمانية سر ممالك النار؛ الحقيقة والأسرار" نشر بمؤسسة الحوار المتمدن للأبحاث، فإن أول ما عرفها العرب بعد فتح امبراطورية الفرس، فى عهد الصحابى عبد الله بن عمر ابن الخطاب، رضى الله عنهما، وبدأت بلعبة مثل الطاولة اسمها "لعبة الـ14"، سماها العرب "الشهاردة" وسماها المصريون "المنقلة"، وقد حاربها "ابن عمر" -رضى الله عنه- لما انتشرت فى بيوت المسلمين لدرجة أنه حطمها لما وجدها فى بيته، لأنها تخلط اللعب بالحلف بالله!

"الشهاردة" هي أصلها كلمة فارسية ينطقون بها "جهاردة" كما جاء فى رواية عبد الرزاق (10 / 466) ومعناها: (لعبة أربعة عشر).

لكن مع مرور الزمان تطورت "الجهاردة" من مجرد لعبة إلى خرافة لها جذور وساهمت فى الدولة العثمانية مساهمات متعددة منذ أن ظهرت كحركة حقيقية اسمها "الحروفية".

ووفقًا للدراسة سالفة الذكر، فإن مصدر اللعبة طريقة باطنية فارسية "شيعية" اسمها "الحروفية" أسسها فضل الله بن عبد الرحمن الحسينى الاستراباذى، وهو شيعى منسوب لآل البيت رغمه أصوله الفارسية، ودعمت تلك الطريقة الدولة العثمانية الاستعمارية.

ويوضح كتاب "الفكر الباطنى فى الأناضول" تأليف بديعة محمد عبد العال، أن علماء الإسلام غضوا الطرف عن الحروفية لشططها البالغ الذى أسبغ عليها صفة الردة عن الإسلام عند سائر علماء المسلمين، غير أنها تنكرت تحت أقنعة مختلفة بدأت فى بلاد الروم بالطريقة البكتاشية، وانصبت فى البابية والبهائية فى إيران.

ويبين الكتاب: ذكر أن الحروفية من أهل البدعة إذ يؤمنون بالحلول، وأن الله عز وجل حل فى الجميلات، وعبادتهن فرض على العباد، كما يشبهون السور القرآنية بأعضاء الإنسان، فيقولون مثلاً: أن رأس الإنسان الفاتحة.

وحسبما يذكر موقع "عثمانلى" أحد المواقع التركية المعارضة، فإن السلطان محمد الثانى المعروف بـ محمد الفاتح، كان يتمنى فتح القسطنطينية، عاصمة جارته المزعجة الدولة البيزنطية فى ذلك الوقت، بعدما فشل أجداده مرات عديدة فى اقتحامها، فأخذ يحشد جنوده وقواده لتحقيق حلم آبائه، لكن دون أن يلمس فيهم حماسة تؤهلهم للنصر، وتحميهم من الفشل الذى باء به أسلافهم 

كان محمد الثانى فى حاجة إلى دعاية دينية تؤجج مشاعر جنوده، لذلك قرر تبنى معتقدات أكثر مغالاة فى شخص الحاكم، تمنحه سلطة أكبر من كونه سلطانا تركيا، فقد طمع فى لقب المهدى المنتظر، ووجد ضالته فى "الحروفية"، التى اتخذت شكل طريقة صوفية للتمويه هربا من انتقادات علماء الدين السنة.

ويشير الموقع السابق، إلى أن تسبب انتشار الحروفية فى اندلاع موجة غضب عارمة فى العاصمة، إذ انتشرت أخبار تبنى الدولة للعقائد الباطنية، ما أثار قلق الصدر الأعظم محمود باشا الذى خشى من تداعيات ذلك على الاستعدادات لمعركة فتح القسطنطينية، فاستدعى الفقيه الملا فخر الدين عجمى إلى بيته، وكان أحد أشهر علماء الدين فى السلطنة، وطلب منه إجراء مناظرة مع شيوخ الحروفية.

وبالعودة لدراسة الباحث عمرو عبد الرحمن، فإن الجهارديين زينوا للعثمانيين احتلال القسطنطينية، عبر زعيم الحروفية "عماد الدين نسيمي" بزمن السلطان "مراد الثانى"، وكان السلطان "محمد الفاتح" من تلاميذه فأطلق يده فى القصر من بوابة الباطنية الصوفية، وقرر الفاتح طباعة كتاب الحروفية "جاويدان نامه كبير" وسماه بالتركية "عشق نامه" (رسالة العشق) وقرر تدريسه بالبلاد العثمانية!

وبحسب الباحث وسيم عفيفى، كانت العلاقة بين الحروفية وبايزيد الثانى متناقضة فالحروفية الذين اخترقوا البكتاشية فصاروا أصحابها كانوا مع بايزيد الثانى فى صراعه مع جم بينما البكتاشية الأساسيين كانوا مع جم ولم يعبأ بايزيد بدعم أحد سوى المسلحين لصالحه فحسم الصراع ثم بدأ بالتودد للحروفية إلى أن تركهم للفقهاء فقتلوا شيخهم الملا لطفى بتهمة الزندقة لأنه قال أن الصلاة فى الإسلام ليست طقسية أى ليس بها ركوع وسجود وإنما هى روحية فقط.

لم يكن سليم الأول وهو أمير إلى قبل صراعه مع الصفويين من مؤيدى الخرافات أو مسألة البشارات لكن الحروفية اخترقت غالبية طرق الصوفية الشامية حتى وقعت حرب فلسفية دعائية مع بروز قوة إسماعيل الصفوي، فجماعة الأردبيل الصفوية سوقت أن شاه إسماعيل سيفتح الشام، لكن سليم الأول هزم الصفوى فكانت هذه فرصة ذهبية للطريقة الهمدانية المخترقة هى الأخرى من الحروفيين فى حلب وتكره المماليك كرها شديدا.

بعد اغتصاب العثمانيين لـ"القسطنطينية" للكثير من أراضي العرب والمسلمين، وقتل آلاف المدنيين باسم الفتوحات الإسلامية، أصبح للحروفية البكتاشية المسلحة نفوذا ضخما وقد دعموا السلطان "بايزيد الثاني" عسكريا فى صراعاته السياسية، تواصل نفوذهم على السلطان "سليم الأول" بعد أن (أكلوا عقله) بأسطورة حروفية اخترعوها تقول: "ستدخل السين فى الشين بعد نصر أول على شين ليظهر قبر محيى الدين".

وهى نسخة طبق الأصل من المزعوم "جفر سيدنا علي" الذى كتبوه بعد موته بمئات السنين ونسبوه له بالكذب، وأيضا نسخة مطابقة للتلمود وأسطورة ظهور "اسرائيل الكبري" من النيل للفرات لتحكم العالم ألف سنة!

ويوضح هنا الباحث وسيم عفيفى، أن معنى حروف أسطورة الهمدانية الحروفية أن سليم الأول هو السين والشين التى سيدخلها هى شام والشين التى سينتصر عليها أولاً هى شاه ـ أى شاه إسماعيل ـ ثم يظهر قبر محى الدين بن عربي، مما يعنى قدوم سليم لإزاحة دولة أعداءهم المماليك.

ويشرح المؤرخ البورينى فى كتابه "تراجم الأعيان من أبناء الزمان" أن المقولة انتشرت بعدما منع المماليك بناء قبر بن عربى ولقيت تلك المقولة صدىً واسعًا وصل لمسامع سليم الأول وبعد دحره لقنصوه الغورى قام ببناء قبر بن عربى وتعظيمه فى دمشق.

مأزق شوام الحروفية الوحيد مع سليم الأول كان فى مسألة موقفه منهم بعد سيطرته على الشام ومصر، فالسلطان "سليم" هو عدو الشيعة والمعروف عنه أن سيفه يسبق لسانه، لكن رغم دموية سليم الأول لم يقتل واحدًا من شيوخ شيعة حلب الحروفية وفق ما حصره المؤرخ محمد جمال الباروت فى كتابه "الصراع العثمانى الصفوى وتأثيره على شيعة الشام".

أما صناع مسلسل "ممالك النار" بين الحروفية وطائفة الحشاشين بقيادة حسن الصباح، لينتجوا فرقة الجهاردية التى ساندت سليم الأول وساعدته لإحكام سيطرته على المشرق (الشام ومصر)، يعتقد الكثير من الباحثين إنها مجرد استعارة درامية ليست لها سند تاريخى.

 


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة