خالد صلاح

د. شوقى عبدالكريم علام

فقه‭‬‮: «‬فتبينوا‮» ‬‭‬نحو‭ ‬تكوين‭ ‬وعى‭ ‬رشيد‭..‬ الخلافة‭

السبت، 02 نوفمبر 2019 10:00 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
أضحت‭ ‬قضية‭ ‬الخلافة‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬القضايا‭ ‬الحاضرة‭ ‬فى‭ ‬أذهان‭ ‬دعاة‭ ‬حركات‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسى‭ ‬المعاصرة،‭ ‬واستمدوا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬شرعيتهم‭ ‬الفكرية‭ ‬وخلافهم‭ ‬مع‭ ‬غيرهم‭ ‬فى‭ ‬كونهم‭ ‬يعملون‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬الخلافة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وهذا‭ ‬مما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نقف‭ ‬وقفة‭ ‬تأمُّل‭ ‬موضوعيَّة‭ ‬فى‭ ‬المسألة‭ ‬برُمَّتها‭ ‬حتى‭ ‬نفصل‭ ‬فيها‭ ‬القول‭.‬
 
لما‭ ‬انتقل‭ ‬النبى‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬إلى‭ ‬الرفيق‭ ‬الأعلى،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬بدت‭ ‬ملامح‭ ‬الدولة‭ ‬فى‭ ‬الظهور‭ ‬ارتأى‭ ‬المسلمون‭ ‬المجتمعون‭ ‬فى‭ ‬سقيفة‭ ‬بنى‭ ‬ساعدة‭ ‬أن‭ ‬يخلف‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬أحد‭ ‬أصحابه‭ ‬ويُسيَّر‭ ‬أمور‭ ‬المسلمين‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬تسير‭ ‬فى‭ ‬عهد‭ ‬النبى،‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم؛‭ ‬فلما‭ ‬كان‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬وقع‭ ‬الاختيار‭ ‬على‭ ‬سيدنا‭ ‬أبى‭ ‬بكر‭ ‬الصديق،‭ ‬ثمَّ‭ ‬بعده‭ ‬جاء‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب،‭ ‬ثمَّ‭ ‬عثمان‭ ‬بن‭ ‬عفان،‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬بن‭ ‬أبى‭ ‬طالب،‭ ‬رضى‭ ‬الله‭ ‬عنهم،‭ ‬كل‭ ‬جاء‭ ‬بطريقة‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬الآخر،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬نموذج‭ ‬واحد‭ ‬فى‭ ‬طريق‭ ‬تعيين‭ ‬الحاكم،‭ ‬بل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اسم‭ ‬الخليفة‭ ‬فى‭ ‬ذاته‭ ‬محل‭ ‬اتفاق‭ ‬لديهم‭ ‬جميعًا،‭ ‬فكان‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬خليفة‭ ‬وكان‭ ‬عمر‭ ‬أميرًا‭ ‬للمؤمنين‭ ‬وهكذا‭.‬
 
فحاصل‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬تصوِّر‭ ‬معنى‭ ‬الخلافة‭ ‬أنها‭ ‬شكل‭ ‬سياسى‭ ‬وظيفته‭ ‬رعاية‭ ‬الناس‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬مصالحهم‭ ‬فى‭ ‬الدين‭ ‬والدنيا،‭ ‬فمقتضاها‭ ‬حمل‭ ‬الكافة‭ ‬على‭ ‬مقتضى‭ ‬مصالحهم‭ ‬الأخروية‭ ‬والدنيوية‭ ‬الراجعة‭ ‬إليها‭ ‬كما‭ ‬يُعبِّر‭ ‬المؤرخ‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭.‬
 
والدولة‭ ‬تُعدُّ‭ ‬أحد‭ ‬أشكال‭ ‬التنظيم‭ ‬السياسى‭ ‬والقانونى‭ ‬للمجتمع،‭ ‬المُتكوِّن‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬إقليمية‭ ‬وإدارية‭ ‬وسياسية‭ ‬معروفة‭ ‬فى‭ ‬الغالب‭ ‬تمارَس‭ ‬خلالها‭ ‬القوانين،‭ ‬وتتشكَّل‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬تحقق‭ ‬مصالح‭ ‬الأفراد،‭ ‬وتُنظِّم‭ ‬الدولة‭ ‬حقوق‭ ‬وواجبات‭ ‬الأفراد‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعى‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والنظام‭ ‬القائم‭.‬
 
وهناك‭ ‬خلط‭ ‬حصل‭ ‬بين‭ ‬الحكم‭ ‬الرشيد‭ ‬والخلافة‭ ‬بمعناها‭ ‬السياسى،‭ ‬فالحكم‭ ‬الرشيد‭ ‬هو‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬العدل‭ ‬والمساواة‭ ‬ونصرة‭ ‬المظلوم،‭ ‬وهذا‭ ‬المعنى‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬الغاية‭ ‬التى‭ ‬يسعى‭ ‬لأجلها‭ ‬أى‭ ‬نظام‭ ‬سياسى،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬الخلافة‭ ‬أو‭ ‬غيره،‭ ‬فغاية‭ ‬جميع‭ ‬النُّظم‭ ‬السياسية‭ ‬هو‭ ‬إقامة‭ ‬العدل،‭ ‬وحفظ‭ ‬مصالح‭ ‬وحقوق‭ ‬الأفراد‭ ‬الواقعين‭ ‬تحت‭ ‬لواء‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭.‬
 
فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الخلافة‭ ‬تتبع‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬وتُطبِّقها‭ ‬فى‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬وُصفت‭ ‬بكونها‭ ‬رشيدة،‭ ‬كما‭ ‬وُصفت‭ ‬فترة‭ ‬الخلفاء‭ ‬الأربعة‭ ‬الأُوَلْ،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تطبقها‭ ‬نُزِعَ‭ ‬منها‭ ‬وصف‭ ‬الرشد؛‭ ‬فوصفها‭ ‬بالرشد‭ ‬لأجل‭ ‬تحقيقها‭ ‬قيم‭ ‬العدل‭ ‬والمساواة‭ ‬لا‭ ‬لأجل‭ ‬كونها‭ ‬خلافةً‭ ‬فحسب‭.‬
 
فالخلافة‭ ‬إذًا‭ ‬صيغة‭ ‬سياسية‭ ‬تفهم‭ ‬فى‭ ‬سياقها‭ ‬التاريخى‭ ‬وليست‭ ‬فريضة‭ ‬دينية‭ ‬كما‭ ‬قرر‭ ‬ذلك‭ ‬علماء‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬الفروع‭ ‬وليست‭ ‬من‭ ‬الأصول،‭ ‬وقد‭ ‬أرادت‭ ‬جماعات‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسى‭ ‬أن‭ ‬تنقلها‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬وظيفة‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصالح‭ ‬الناس‭ ‬تأخذ‭ ‬أشكالًا‭ ‬متعددة‭ ‬إلى‭ ‬وظيفة‭ ‬دينية‭ ‬مفروضة‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬عداها‭ ‬ليس‭ ‬داخلًا‭ ‬فى‭ ‬إطار‭ ‬المشروعية،‭ ‬وهذا‭ ‬الفهم‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الأوطان،‭ ‬بل‭ ‬محاها‭ ‬فى‭ ‬أدبياتهم‭.‬
 
ومن‭ ‬ثم‭ ‬إذا‭ ‬رُسمت‭ ‬معالم‭ ‬لوطن‭ ‬الإنسان‭ ‬وجب‭ ‬عليه‭ ‬الدفاع‭ ‬عنه‭ ‬وحفظ‭ ‬ثغوره‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تمسها‭ ‬يد‭ ‬معتد،‭ ‬سواءٌ‭ ‬قيل‭ ‬لذلك‭: ‬‮«‬وطن‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬دولة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬خلافة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬مملكة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬سلطنة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬المختلفة‭.‬
 
فالخلافة‭ ‬ليست‭ ‬مقصودة‭ ‬لذاتها،‭ ‬بل‭ ‬المقصود‭ ‬تحقيق‭ ‬قيم‭ ‬العدل‭ ‬والمساواة،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬بخلافة‭ ‬أو‭ ‬بملك‭ ‬أو‭ ‬بسلطنة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بشكل‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة،‭ ‬مما‭ ‬نفهم‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬الخلافة‭ ‬بما‭ ‬وصل‭ ‬لنا‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬عنها‭ ‬هى‭ ‬فترة‭ ‬زمنية،‭ ‬اتفق‭ ‬الصحابة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الحكم‭ ‬وسارت‭ ‬عليه‭ ‬الأمة‭ ‬لفترة‭ ‬زمنية،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬لأنماط‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬وجود‭ ‬فى‭ ‬وقتهم‭ ‬لفعَّلوه‭ ‬وارتضوه،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬متاحًا‭ ‬لوقتهم‭ ‬وزمنهم،‭ ‬والآن‭ ‬ومع‭ ‬حضور‭ ‬الأمة‭ ‬فى‭ ‬المشهد‭ ‬العالمى‭ ‬المعاصر‬‭ ‬وتعدد‭ ‬الأنماط‭ ‬التى‭ ‬يعيشها‭ ‬الإنسان‭ ‬المسلم‭ ‬فى‭ ‬يومه،‭ ‬فليس‭ ‬المقصود‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬المسلم‭ ‬فى‭ ‬معزل‭ ‬عن‭ ‬المتغيِّرات‭ ‬العالمية‭ ‬المحيطة،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬عليه‭ ‬الحضور‭ ‬الدائم،‭ ‬الذى‭ ‬يحقق‭ ‬التعايش‭ ‬والتكامل‭ ‬مع‭ ‬احتفاظه‭ ‬بشخصيته‭ ‬الوطنية‭ ‬التى‭ ‬يعتز‭ ‬بها‭ ‬ويدافع‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬عن‭ ‬مقومات‭ ‬وطنه‭ ‬ودولته‭.‬
 

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

الموضوعات المتعلقة


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة