خالد صلاح

للنفوذ وجوه أخرى.. كيف يمثل خضوع أردوغان فى سوريا دليلا على فاعلية نظرية ترامب؟.. واشنطن مازالت تمتلك زمام الأمور بالأراضى السورية رغم انسحابها العسكرى.. والعقوبات الاقتصادية أصبحت الخيار الأول لإخضاع المنافسين

الإثنين، 21 أكتوبر 2019 07:00 ص
للنفوذ وجوه أخرى.. كيف يمثل خضوع أردوغان فى سوريا دليلا على فاعلية نظرية ترامب؟.. واشنطن مازالت تمتلك زمام الأمور بالأراضى السورية رغم انسحابها العسكرى.. والعقوبات الاقتصادية أصبحت الخيار الأول لإخضاع المنافسين أردوغان وترامب والعدوان التركى على سوريا
تحليل يكتبه: بيشوى رمزى

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لم يكن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب محتاجا سوى لتذكير نظيره التركى رجب طيب أردوغان، فى رسالته الأخيرة، بقضية القس الأمريكى أندرو برنسون، والذى اعتقلته أنقرة لسنوات، حتى يرضخ الديكتاتور ويعلن قبوله لوقف إطلاق النار فى سوريا، فى خطوة تمثل تراجعا جديدا من قبل أنقرة عن المواقف التى سبق وأن أعلنتها، أمام التلويح الأمريكى بعصا العقوبات الاقتصادية، فى ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة فى أنقرة خلال المرحلة الراهنة، وهو الأمر الذى أفقد النظام التركى شعبيته تماما فى الآونة الأخيرة، وبالتالى فإن المزيد من الضغوط الاقتصادية، يعنى دمار تركيا، وهو ما بدا واضحا فى اللهجة الواثقة لدى الرئيس الأمريكى فى خطابه، الذى أنهى العدوان التركى على منطقة شمال سوريا.

ولعل المفارقة الجديرة بالملاحظة هى أن الرئيس التركى قدم عدة خدمات جليلة لنظيره الأمريكى، دون أن يقصد، منذ بداية عدوانه الغاشم على شمال سوريا، سواء فى الداخل الأمريكى أو بالخارج، أولها أنه أعطى الإدارة الأمريكية ذريعة الانسحاب من شمال سوريا، فى خطوة من شأنها زيادة أسهم الرئيس الأمريكى أمام مواطنيه قبل ما يزيد قليلا عن عام واحد من انتخابات الرئاسة الأمريكية، والمقررة فى نوفمبر 2020، خاصة وأن تخفيف الوجود العسكرى فى المناطق الخطرة يمثل أحد أهم الوعود التى قدمها ترامب فى حملته الانتخابية الأولى، كما أنه على الجانب الأخر، قدم دليلا دامغا، عبر رضوخه، على بقاء التأثير الأمريكى على الساحة السورية رغم قرار الانسحاب العسكرى، فى الوقت الذى حاول فيه خصوم الإدارة الترويج لفكرة أن الخطوة الأمريكية هى بداية النهاية لنفوذ واشنطن ليس فقط فى سوريا ولكن فى الشرق الأوسط بأثره.

رؤية ترامب تنتصر.. عصا العقوبات تخضع أردوغان مرتين

يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار الذى أبرمته واشنطن مع أنقرة، هو بمثابة دليل جديد على نجاح رؤيته، حول مسألة النفوذ الأمريكى، فى العديد من مناطق العالم، والتى تقوم على أن الوجود العسكرى ليس الآلية الوحيدة للاحتفاظ بالدور الأمريكى المتنامى على المستوى الدولى، فى ظل وجود بدائل أخرى يمكن الاستعانة لتحقيق هذا الهدف دون خسائر، سواء اقتصاديا، فى ظل التكاليف الباهظة التى تتكبدها الخزانة الأمريكية، أو عسكريا، فى ظل المخاطر الكبيرة التى يتعرض لها الجنود الأمريكيين فى مناطق الصراع سواء فى الشرق الأوسط أو غيره من مناطق العالم.

وتعد عصا العقوبات الاقتصادية أحد أبرز البدائل التى طالما استخدمها الرئيس الأمريكى فى التعامل مع العديد من القضايا، والتى خرج فى معظمها منتصرا، وعلى رأسها الخلافات العميقة بين الإدارة الأمريكية الحالية وتركيا، والتى بدت واضحة فى قضية القس الأمريكى أندرو برنسون، والذى اعتقله أردوغان لسنوات، قبل أن يطلق سراحه صاغرا، ليمنح ترامب المزيد من النقاط أمام مواطنيه، بينما نجح إلى حد كبير فى تحقيق رؤيته فى سوريا مؤخرا عبر اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، كما أن التلويح بعصا العقوبات نجح فى تقويض الاتفاق النووى مع إيران، سواء فى التضييق على النظام الحاكم فى طهران من ناحية، أو إجبار الحلفاء على عدم الالتفاف على العقوبات الأمريكية لإنقاذ النظام الإيرانى من جانب أخر.

ففى الوقت الذى يمثل فيه ترامب الشوكة فى حلق أردوغان، يبقى الأخير بمثابة البوابة التى نجح الرئيس الأمريكى، من خلالها، تحقيق العديد من المكاسب سواء الشخصية أو السياسية، حيث سبق له وأن استطاع أن يضع نفسه فى صورة البطل المغوار، الذى يحارب من أجل الإفراج عن مواطن أمريكى محتجز فى أنقرة (القس أندرو برنسون)، بينما استخدمه للمرة الثانية، عندما قرر الديكتاتور التركى شن عدوانه على سوريا، لتحقيق وعده الانتخابى بالانسحاب من أحد مناطق الصراع الخطيره فى العالم، ثم عاد مؤخرا ليثبت عدم تخليه عن حلفائه (الأكراد) من خلال إجبار أنقرة على وقف إطلاق النار فى الشمال السورى، ليدحض بذلك إدعاءات خصومه، سواء الديمقراطيين فى الداخل، أو روسيا والقوى الدولية المناوئة له فى الخارج، حول توجه الإدارة الحالية نحو التخلى عن الحلفاء الذين سبق لهم وأن ساندوه فى الحرب على تنظيم داعش الإرهابى.

رسالة إلى موسكو.. أمريكا مازالت تمتلك زمام الأمور فى سوريا

ويمثل اتفاق وقف إطلاق النار انتصارا أمريكيا، ليس فقط فى مواجهة العدوان التركى، والذى استهدف الحليف الكردى لواشنطن، وإنما كذلك فى مواجهة الخصم الروسى، الذى يبقى متواجد عسكريا داخل الأراضى السورية منذ عام 2015، خاصة وأن الإدارة الأمريكية، المنسحبة عسكريا، هى من تمكنت من إبرام الاتفاق، فى رسالة مفادها أن واشنطن مازالت تمتلك زمام الأمور فى الأراضى السورية، عبر قوتها الاقتصادية، والتى تمكنها من فرض العقوبات التى من شأنها تدمير الدول المناوئة لها، سواء من الحلفاء أو الخصوم، وعلى رأسها روسيا نفسها.

يبدو أن الأوضاع الاقتصادية فى روسيا مازالت غير قادرة على مجاراة القوى الأمريكية التى تبقى مهيمنة على العالم، وهو ما بدا واضحا فى فشل دول الاتحاد الأوروبى، رغم قوتها الاقتصادية، فى مواجهة العقوبات الأمريكية على إيران عمليا، حيث اكتفت بالرفض السياسى، عبر التصريحات، بينما لم تتجرأ أى دولة أوروبية على الإبقاء على استثماراتها فى طهران، هو الأمر الذى ساهم بصورة كبيرة فى تضييق الخناق على النظام الإيرانى فى الأشهر الماضية، خاصة وأن موسكو مازالت تعانى من جراء العقوبات الدولية المفروضة عليها بسبب قيامها بضم شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، على خلفية عزل الرئيس الأوكرانى الموالى لها فيكتور يانكوفيتش فى عام 2014.

آلية جديدة.. العقوبات بديل للانتشار العسكرى

وهنا يمكننا القول بأن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب نجح فى إيجاد أبعاد أخرى يمكن من خلالها توطيد النفوذ الأمريكى، بعيدا عن الجانب العسكرى، هو ما فتح الباب فى السنوات الأخيرة أمام صراعات من نوع جديد بين الولايات المتحدة من جانب، والقوى الدولية الأخرى، سواء من الخصوم، وعلى رأسهم روسيا والصين أو حتى الحلفاء، على غرار الاتحاد الأوروبى وتركيا، ربما بدت واضحة فى الخلافات الاقتصادية، والإجراءات الجمركية التى اتخذتها واشنطن تجاه الجميع بدون استثناء، فى انعكاس صريح لاستخدام الاقتصاد كأحد الأسلحة الرئيسية فى معركة واشنطن مع خصومها للبقاء على قمة النظام الدولى.

ولعل استخدام سلاح الاقتصاد فى مواجهة الخصوم ليس بالأمر الجديد تماما على النهج الأمريكى فى العقود الماضية، ولكنه بقى بديلا ثانيا بعد الخيار العسكرى، والذى حمل أشكالا مختلفة، سواء مباشرة عبر التدخل العسكرى الصريح فى العراق وأفغانستان، مع بداية الألفية، أو بشكل غير مباشر عبر استخدام قوات الناتو فى محاصرة القوى المناوئة للغرب، وهو ما بدا فى التعامل الأمريكى مع موسكو، عبر محاصرتها فى مناطقها الجغرافية.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة