خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

عباس شومان

مهلًا أيها السادة!

الخميس، 24 يناير 2019 03:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
تابع الناس فى الآونة الأخيرة على بعض الشاشات الفضائية وصفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعى، كثيرًا من اللغط والجدل الأجوف مصحوبًا بالتشنج وتوزيع الاتهامات على الأزهر الشريف وشيخه الجليل، وهذا الأمر فى الحقيقة ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير، إلا أنه هذه المرة يدور حول موضوع محدد، وهو مشاريع قوانين الأسرة، وكنا نأمل أن يُتناول الموضوع بعيدًا عن الأشخاص، لكن يبدو أن ثقافتنا لا تعرف الفصل بين الموضوعات المتناولة بالنقد والأشخاص، بل ربما تُتخذ الموضوعات ستارًا للنيل من الأشخاص وليس للبحث عن حلول!
 
فمع أن الجدل الدائر يدور حول مشاريع قوانين الأسرة، ومنها مشروع قانون الأحوال الشخصية الذى يعده الأزهر حاليًّا، إلا أنك سرعان ما تجد الحديث قد انتقل لكيل التهم لشيخ الأزهر صراحة ودون مواربة، وهو تناول لا يليق، بل إنه مرفوض جملة وتفصيلًا، خاصة أنه مبنى على عدم فهم وافتقاد للمهنية؛ حيث جرى تقطيع كلمات نطق بها شيخ الأزهر فى مناسبات مختلفة لتظهر وكأنها متناقضة، فمرة يقول إن الأزهر ليس جهة تشريع، ثم ها هو يكلف بعضًا من رجاله لإعداد مشروع قانون للأحوال الشخصية!
 
وهذا الطرح فيه مغالطة كبرى، ولو أن كلام شيخ الأزهر الذى لا يتجاوز الدقيقة أذيع كاملًا ولم يجتزأ، لاتضح معناه ولم يكن هناك أى تناقض كما زعموا، ولكن الأمر جاء على غرار: «لا تقربوا الصلاة»!
 
فيا أيها السادة، ما قاله شيخ الأزهر دقيق وصحيح تمامًا ولا تناقض فيه؛ فالأزهر ليس جهة تشريع، لكن هذا لا يعنى أنه لا يحق له اقتراح مشاريع قوانين ذات صلة وثيقة باختصاصاته ومسؤولياته، فهناك فرق بين سلطة التشريع التى لا يملكها الأزهر ولا يريدها، واقتراح مشاريع القوانين، فالتشريع حق أصيل للسلطة التشريعية المتمثلة فى مجلس النواب، والأزهر يعى ذلك جيدًا، وكان يمكن أن يُعترض على الأزهر لو أعلن أنه بصدد التصديق على قانون جديد للأسرة مثلًا، أما أن يقوم الأزهر بإعداد مقترح يقدم إلى السلطة التشريعية لتعمل شئونها نحوه، كأن تقره كاملًا، أو تعدله، أو تضيف عليه، أو توفق بينه وبين مشاريع أخرى، أو لا تأخذ به أصلًا، فهذا لا يعد افتئاتًا على الجهة المنوط بها التشريع إطلاقًا.
 
أما المادة التى يزعمون أنها تمنع الأزهر وغيره من مؤسسات الدولة من اقتراح مشاريع قوانين، وهى المادة رقم «122» من الدستور: «لرئيس الجمهورية، ولمجلس الوزراء، ولكل عضو فى مجلس النواب اقتراح القوانين»، فإنها تحتاج إلى إعادة فهم من هؤلاء الذين يحملونها ما لا تحتمل؛ فإعطاء الحق لجهات بعينها لاقتراح القوانين لا يعنى بالضرورة حصره فيها، ولو أريد قصر اقتراح القوانين على هذه الجهات المذكورة؛ لوجب تصحيح صياغة المادة لتكون مثلًا: «يقتصر اقتراح القوانين على الجهات الآتية»، أو «يحظر على غير الجهات الآتية»، ونحو ذلك من عبارات تؤدى إلى ما يعرف عند اللغويين بأسلوب القصر.
 
وإذا فرضنا جدلًا صحة ما يزعمون، فماذا عن مشاريع القوانين التى تقدمت بها الوزارات والمؤسسات من قبل، ومن بينها الأزهر؟! فليست هذه المرة الأولى التى يعد فيها الأزهر مشروع قانون، بل فعل ذلك من قبل مرات وليس مرة، وفعلت ذلك أيضًا دار الإفتاء ووزارات الأوقاف، والتربية والتعليم، والتعليم العالى، والصناعة، والزراعة، وغيرها من الوزارات، بل فعلت ذلك بعض الجامعات كجامعة الأزهر التى تقدمت بمشروع قانون يسمح لها بمعاقبة مثيرى الشغب من المنتسبين للجامعة، وجرى التصديق عليه وهو يطبق الآن، وفعلت ذلك أيضًا العديد من الجهات النقابية، وتحولت مشاريع القوانين التى تقدمت بها هذه الجهات وغيرها إلى قوانين بعد إقرارها وإصدارها من السلطة التشريعية، ولا ينكر ذلك إلا منفصل عن واقعنا الذى نعيشه، جاهل - أو متجاهل - بآلية إصدار القوانين فى بلادنا!
 
ومن أغرب ما يمكن أن يسمعه إنسان، قولهم إن كلام شيخ الأزهر عن حراسة الأزهر للغة والشريعة، فيه افتئات على الدولة، وإظهار لها على أنها ضد الدين، وهذا يعد تحريضًا عليها! ولا يدرى هؤلاء أن الدستور الذى يزعمون أنهم حُماته، هو الذى حمَّل الأزهر هذه المسئولية التى يشرف الأزهر وجميع المنتسبين له بحملها، ويبذلون قصارى جهدهم لتأديتها على أحسن ما يكون، ومن العجب أن يجعل هؤلاء من الأزهر دولة فى مقابل الدولة المصرية بادعائهم أنه بحمله هذه الأمانة ينتزع اختصاصات الدولة!
 
إن مسؤولية حراسة اللغة والشريعة، وحماية الحدود، والأمن الداخلى، وتوفير خدمات التعليم والصحة... إلخ، هى مسؤولية الدولة تقوم بها من خلال مؤسساتها، ومنها الأزهر الشريف؛ فهو مؤسسة من مؤسسات الدولة المصرية يقوم باختصاصاته ومسؤولياته التى منها حراسة اللغة والشريعة، فإن كان قيامه بها انتزاعًا لاختصاصات الدولة كما يزعمون، فإن حماية جيشنا البطل للحدود، وبسط شرطتنا الباسلة سلطتها لاستتباب الأمن الداخلى، وقيام وزارة التموين والزراعة على شؤون الأمن الغذائى، وتقديم وزارة الصحة الخدمة الطبية للمواطنين؛ كل ذلك وغيره يكون انتزاعًا لاختصاصات الدولة وافتئاتًا عليها! ولا شك أن قيام هذه المؤسسات التى هى جزء من الدولة بواجباتها فى حدود اختصاصاتها، هو من قيام الدولة بواجباتها، وليس من منازعة الدولة اختصاصاتها كما يتوهم هؤلاء المدعون!
 
والأغرب والأعجب فى هذا السياق، قول بعضهم موجهًا كلامه لشيخ الأزهر الذى يعرف القاصى والدانى أنه مفعم بالوطنية، وقد حمل روحه مع رجال مصر المخلصين فوق كفه أكثر من مرة من أجل وطننا العزيز: ليكن ولاؤك للدولة لا للأزهر! وكأن الأزهر دولة صديقة أو ربما معادية للدولة المصرية، وليس مؤسسة من مؤسساتها تعمل لدعمها ورفعتها وريادتها فى جميع المجالات وعلى كل الأصعدة! إن الولاء للأزهر واجب على شيخ الأزهر، وإلا ما استحق أن يكون شيخًا له، وهو عين الولاء للدولة ومؤسساتها، إلا إذا رأى هؤلاء أن الأزهر جهة معادية يلزم شيخ الأزهر أن يقلب لها ظهر المجن ليثبت ولاءه للدولة المصرية!
 
أيها السادة، إن ظهور العديد من المشكلات الأسرية، وكثرة القضايا المتعلقة بالطلاق والخلع والحضانة، ورصد حالات إجحاف كثيرة بالمرأة، وغيرها من الأمور ذات الصلة بالأحوال الشخصية، هو ما جعل الأزهر يقوم بواجبه نحو البحث عن حلول لهذه المشكلات من خلال اقتراح مشروع قانون تصدره السلطة التشريعية، فشكَّل الأزهر لجنة رفيعة المستوى من علماء دين وخبراء فى القانون وممثلين عن الجهات ذات الصلة، لإعداد مقترح قانون متكامل للأسرة للمرة الأولى فى تاريخ مصر، حيث إن القوانين الموجودة منفصلة بعضها عن بعض؛ فهناك قانون للخلع، وآخر للطلاق، وثالث للحضانة... إلخ، ولا شك أن جمع هذه القضايا فى قانون واحد سيجعلها مترابطة، ويجعل معالجتها أدق من الناحية الشرعية والقانونية معًا.
ومثل هذه المشاريع التى تتقدم بها بعض مؤسسات الدولة، ومن بينها مقترح الأزهر، ستكون بين يدى البرلمان لتأخذ طريقها التشريعى الذى حدده الدستور، ولذا ينبغى دعم هذه الجهود، لا اختلاق معركة حولها؛ لأن ذلك لا يخدم الوطن ولا يحقق مصلحة المواطنين، بل يحدث فتنة بين الناس، ويرسخ فى أذهانهم حربًا وهمية وتنازعًا مزعومًا لا وجود له بين مؤسسات الدولة، وهو ما يرفضه الأزهر الشريف الذى هو مؤسسة من مؤسسات الدولة المصرية، كان وما زال وسيبقى حصن الوطن الفكرى إلى أن تقوم الساعة.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة