خالد صلاح

عباس شومان

بين الاعتزاز بالدين والنيل من الآخرين!

الخميس، 10 يناير 2019 12:00 م

إضافة تعليق

لا يستطيع بعض المسلمين الفصل بين النيل من الآخر المحرم شرعًا، واعتزازهم بدينهم وعقيدتهم الذي هو حق لا مراء فيه؛ إذ يقول الله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}، ويقول عز وجل:{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}، ويقول سبحانه:{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، فهذه النصوص وغيرها تقر مبدأ الحرية الدينية، وتعلمنا أن الذي يحاسب على الاختيار هو الخالق وليس الخلق، كما يريد بعض مَن يتبرعون بإصدار أحكام الكفر والتفسيق للآخر، وتحريم التعامل مع المخالف في الدين!

ومن ذلك مثلًا ما يشغل به البعض أذهان الناس وأوقاتهم من جدل أجوف مكرور في كل عام عند احتفال إخواننا الأقباط بأعيادهم؛ حيث يحرمون تهنئتهم بدعوى أن هذه التهنئة تعد إقرارًا لهم على دينهم! وكأن إقرارهم على دينهم ممنوع شرعًا، وكأنه يجب علينا نحن المسلمين إكراههم على اعتناق ديننا الذي ننتمي إليه، ونعتز به، ونحمد الله على أننا من أتباعه!

إن إقرار أهل الكتاب - يهودًا كانوا أو مسيحيين - على دينهم لا خلاف عليه بين فقهاء المسلمين؛ فمن حق أتباع كل دين الاعتزاز بدينهم، ولكن ليس من حق فريق أن يتعرض للآخر بما يكره، أو ينال من كرامته، أو يؤذيه في مشاعره، فضلًا عن إكراهه على ترك معتقده؛ فقد نهانا كتاب ربنا عن مجادلتهم بغليظ القول، فقال الله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}، وقد أجمع العلماء على تحريم التعرض لغير المسلمين بالإيذاء، وأن المعتدي عليهم بأي نوع من أنواع الاعتداء، يعاقَب كما لو كان معتديًا على مسلم، وكيف لا وقد روي أن رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل مسلم لقتله معاهدًا، قائلًا: «أنا أحق مَن وفَّى بذمته»، وهو القائل أيضًا: «مَن قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين خريفًا»؟! فإذا كان قتل المعاهد موجبًا للقصاص من القاتل، مع أن عهده قد يكون مؤقتًا بأجل وليس دائمًا، فكيف بقتل مسيحي هو مواطن له ما للمسلم وعليه ما عليه، وهو معصوم في دمه وماله وعِرضه على التأبيد؟!

وإذا كان هذا مبدأ إسلاميًّا عامًّا في التعامل بين المختلفين في الدين، فإن أتباع المسيح - عليه السلام - لهم خصوصيات أكثر من غيرهم ممن يخالفوننا في ديننا؛ فقد بينت شريعتنا الغراء بمصادرها المختلفة، وفي مقدمتها كتاب الله عز وجل، أنهم أقرب أتباع الديانات لنا مودة؛ إذ يقول الله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}، وهناك علاقة خاصة تربط بين رسولنا الكريم وسيدنا عيسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - فسيدنا عيسى هو مَن بشَّر قومه برسولنا، يقول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}، وقد قال رسولنا الكريم: «أنا أَوْلى النَّاسِ بعيسى ابنِ مريمَ في الدُّنيا والآخِرةِ، والأنبياءُ إخوةٌ لِعَلَّاتٍ، أمَّهاتُهم شتَّى ودِينُهم واحدٌ». والمتتبع لتاريخنا الإسلامي الطويل يعرف العلاقات الوطيدة التي جمعت بين المسلمين والمسيحيين، تلك العلاقات التي تحتاج إلى تسليط الضوء عليها وإبرازها للشباب المسلم والمسيحي على حد سواء، حتى لا يقعوا ضحية للآراء الشاذة التي تنال من الآخر والتي تصدر عن متشددين على أنها فتاوى، وهي ليست كذلك.

ومن هذه العلاقات، أن المسيحية هي التي احتضنت المسلمين حين كانوا في ضعف؛ حيث كانت أول هجرة في الإسلام إلى الحبشة (إثيوبيا) المسيحية، وقد وصف رسولنا الكريم النجاشي ملك الحبشة - وهو على مسيحيته - بأنه ملك عادل لا يُظلم عنده أحد، وقد كان النجاشي عند حسن ظن رسولنا به؛ فقد حمى المسلمين، ولم تفلح محاولات الساعين لتأليبه عليهم. ومن هذه العلاقات أيضًا، ما فعله سيدنا عمر بن الخطاب مع أهل القدس، وهو المعروف بشدته في الإسلام وغيرته عليه؛ فحين دخل القدس لم يخرج منها أحدًا، ورفض الصلاة في كنيسته خشية أن يطلبها المسلمون بعده ويعتبروها مسجدًا بصلاته فيها، وأعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، وأنه لا تُسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، فقد جاء في العهدة العمرية: «هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء - مدينة القدس - من الأمان...». وهذا عمرو بن العاص ينصف أقباط مصر من ظلم الرومان، ويرد بنيامين إلى كرسيه بعد إبعاد الرومان له أكثر من عشر سنوات، ويكتب لهم عهدًا بيده لحماية كنيستهم... إلخ. وإذا كان هذا توجهًا إسلاميًّا في التعامل مع المسيحيين عامة، فإن التعامل بيننا نحن المسلمين وبين شركائنا في الوطن، له خصوصية فوق خصوصية العلاقة بين الإسلام والمسيحية؛ فقد أوصانا بهم رسولنا الكريم فقال: «اللهَ اللهَ في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم فيكونون لكم عدة وأعوانًا في سبيل الله».

وعليه، فإن هذه الأدلة الصريحة والمواقف التاريخية الواضحة، توجب علينا التعايش في وئام وسلام مع شركاء الوطن نسيجًا وصفًّا واحدًا، في ظل المواطنة التي لا تعرف الطائفية وتسوِّي بين المواطنين مهما اختلفت دياناتهم وعقائدهم، وأن نعمل معًا على تقوية اللحمة الوطنية التي يحاول هؤلاء المتشددون تفتيتها والنيل منها بما ينتهجونه من نهج يوغر الصدور ويشق الصفوف، في وقت يتربص فيه أعداؤنا ببلادنا بمن فيها من مسلمين ومسيحيين، وعلى هؤلاء المتشددين أن يكفوا عن الإساءة لديننا الحنيف، وتحميله ما ليس منه، وأن يظهروا محاسنه، ويقولوا للناس حسنًا أو يصمتوا! وكل عام والمسلمون والمسيحيون بخير وسلام ووئام.

 

 


إضافة تعليق




التعليقات 1

عدد الردود 0

بواسطة:

Ahmed

رسالة. من. نشات رشدي منصور لفضيلة. الشيخ. الموقر. ... عباس. شومان

من. وحي. مقال. فضيلتكم. اكتب. لكل. عباد. الله. : أنا. مسيحي. داخل. كنيسة. أنا. مسلم. داخل. جامع. هدفنا. واحد. عبادة. الرب. الديان. أنا. مسيحي. أنا. مسلم. تجمعنا. الارض الطيبة. من. قديم. الزمان ما. حد. يقدر يقرفنا او. يفرقنا. مهما. كان. ان. كانوا. من. سلفيين او. إخوان. إحنا. في. النهاية. بشر تجمعنا. الانسانية. ويغطينا. الحب في اي مكان ان. كان. في ..... صحرا. او. بستان. ولفضيلة. الشيخ. عباس. شومان. .... كل. الحب. والتقدير. ..

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة