خالد صلاح

وائل السمرى

الصورة الذهنية للجنيه

السبت، 08 سبتمبر 2018 12:00 م

إضافة تعليق
ملايين من المصريين مازالوا يندهشون حينما يسمعون أن فلانا يتقاضى عشرة آلاف جنيه فى الشهر، وفى الحقيقة هذا الرقم القادر على إرسال تعبيرات الدهشة إلى ملايين الوجوه يكاد يكون سببا كافيا للشفقة وليس سببا كافيا للحسد، فهذه الآلاف العشرة لا تصل إلى مبلغ الـ600 دولار، التى يحصل أبسط عامل فى أى دولة أخرى على ضعفها ببساطة ودون مجهود يذكر، وهو ما يعنى أن المجتمع المصرى مازال أسيرا للصدمة التى أعقبت خفض سعر العملة المحلية تحقيقا للتوازن بينها وبين الدولار، فأصبحنا أسرى لتلك الصورة المتخيلة للجنيه، غير مقتنعين بالصورة الحالية.
 
تلك الحالة شبيهة بحالة نظرتنا إلى آبائنا وهم فى مرحلة الكبر، فنحن نرى آباءنا على صورتهم المتخيلة منذ الطفولة، ولا يستطيع الابن السوى أن يرى أباه فى صورة ضعيفة أو متهاوية، ويظل طوال عمره يرى فى الأب كل القوة وكل الحماية وكل الاكتمال، يعتبره الـ«ظهر والسند» مهما اشتكى هذا «الظهر» من آلام، ومهما رأى الشقوق والتصدعات تخترق هذا «السند».
 
ضعف الجنيه وتهاوى، مرض فاشتكينا، تألم فعانينا، فى كل يوم يخسر الجنيه قدرا من هيبته، صارت الجنيهات الخمسة غير قادرة على جذب ابتسامه السائس الذى يتخيل أنه أسعد حظا من المتسول وهو فى الحقيقة أحط منه قدرا، صارت الجنيهات الخمسة بالكاد تكفى لزجاجة مياه غازية، الخضرى لم يعد يشعر بالحرج وهو يقول إن كيلو الخضار هذا بـ«80 جنيه»، والفكهانى لم يخجل من التأكيد على أن كيلو الفاكهة هذا بـ«60 جنيه»، فقدت «البريزة» قدرتها الساحرة، كما فقد «الكارتة» قدرتها على الإبهار.
 
يموت الجنيه المصرى فى كل مكان، ويعيش فقط فى الأذهان، يعيش فقط فى حسابات الراتب، يعيش فقط فى جلسات الخطبة والاتفاق على «مؤخر الصداق» مازال العريس الذى يتقاضى خمسة آلاف جنيه عريسا «لقطة» بينما ذلك الذى يتقاضى عشرة آلاف «حلم» برغم أن الاثنين بالكاد يعيشان بالكاد تحت خط الفقر ويغادران كتائب المعدمين.
 
لم يمت الجنيه بعد، لكن إن ظل الوضع على ما هو عليه سيموت المتعاملون به، سيموت من يعتقدون فى قدرته، من يتخيلون أنه قادر على إنقاذهم وقت الأزمات وإسعادهم وقت الحزن، وإسكاتهم وقت الصراخ.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة