خلال السنوات الأولى من سجن نيلسون مانديلا، فى جزيرة روبن، كانت تحيط به ظروف قاسية، ولهذا سمح لزائر واحد فقط أن يقوم بزيارته وكان يكتب رسالة واحدة كل ستة أشهر تتضمن 500 كلمة فقط.
ومؤخرا، صدر كتاب جديد يحمل عنوان "رسائل المسجون نيلسون مانديلا" من تأليف سهم فينتر، ويصادف إصدار الكتاب الذكرى المئوية حيث ولد منديلا عام 1918.
ويقول الكتاب إن نيلسون الذى دخل السجن عام 1964 وحكم عليه بالمؤبد وحمل رقم 46664 فى السجن، كان يعمل أكثر من سبع ساعات فى تحطيم صخور الجبال، وفى الليل كان ينام على أرضية خرسانية باردة، ومع ذلك فإن رسائله مليئة بالرضا والتفاؤل.
وفى رسائله المبكرة كان يكتب إلى أحد الأصدقاء قائلا: "أشعر أننى على قمة العالم، وأتطلع إلى اليوم الذى سأراه مرة أخرى"، وكان لدى مانديلا خمسة أطفال - بما فى ذلك ابنتان أقل من ست سنوات، لن يسمح لهما بزيارته حتى سن السادسة عشر.
ومع مرور السنوات أصبح مانديلا أكثر وعياً بالمعاناة التى يسببها بسبب غيابه، كما يبدأ بالشك فى قناعاته الراسخة بأن واجبه السياسى يجب أن يأتى أولاً، ويتساءل فى عام 1971: "هل يبرر إهمالى لأسرتى انشغالى فى قضايا أكبر؟ و"هل الرفاهية شىء ثانوى بالنسبة لعائلة الفرد؟ هذه أسئلة تعذبنى كل يوم".
وبعد مرور سنوات أخرى يشكو مانديلا قائلا: "زملائى يعيشون بشكل جيد ويتمتعون بالعديد من الملذات التى أود أن أحصل عليها بنفسى.. فى بعض الأحيان أشعر وكأننى شخص فقد الحياة نفسها".
وفى أواخر الستينيات، وتحديدا سبتمبر 1968، توفيت والدته ورُفض طلبه من أجل حضور جنازتها، وفى مايو أُلقى القبض على زوجته وينى، التى كانت يائسة بسبب ما حدث لأطفالها.
وفى يوليو قُتل ابنه الأكبر ثيمبى فى حادث سيارة وعمره 24 عاما، وفى هذه المرة لم ترفض السلطات طلبه بالذهاب إلى الجنازة بل تجاهلت طلبه من الأساس، ويعترف مانديلا بأن موت ابنه جعله يهتز من الأعلى إلى الأسفل، ويتساءل مرة أخرى، هل السياسة تستحق؟
يعتبر هذا الكتاب استثنائيا لرجل استثنائى، فالكتاب ليس مجرد رصد لمشاكل عائلية، فهناك على سبيل المثال الكثير من الرسائل التى تطلب ظروفاً أفضل له ولزملائه السجناء، هناك أيضا رسائل تتضمن حملته الموسعة من أجل الحصول على درجة فى القانون، وهو الأمر الذى عرقلته السلطات بشكل فعال للغاية، بعد أن بدأت الدراسة فى عام 1964 فى زنزانته بعد كل تلك الساعات التى كان يقوم فيها بتكسير الصخور.
وبعض الرسائل الأكثر تأثرا هى الرسائل التى تتضمن ذكريات الأوقات السعيدة، بما فى ذلك طفولته فى البلاد، ومنها الرسالة التى كتبها لصديقة قائلا: "على الرغم من أننى عشت لعقدين من الزمن لم أنجح أبداً فى التخلص من خلفيتى الفلاحية".
وبالنظر إلى المدة التى قضاها فى السجن، كان هناك الكثير من رسائل التعزية التى يكتبها، والتى قام بها باجتهاد، إلى جانب أدلة أخرى على مجاملته مثل رسائل شكر إلى الممرضات اللاتى اعتنوا به، عندما كان لديه مرض السل.