أكرم القصاص

سهيلة فوزى

ناجى العلى.. الشهيد المنفى حيا وميتا (1)

الجمعة، 04 مايو 2018 09:05 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

أمايه.. وانتى بترحى بالرحى..
على مفارق ضحى..
-وحدك- وبتعدِّدى
على كل حاجة حلوه مفقوده
ماتنسيش يا أمَّه فى عَدُّودَه
عَدُّودَه من أقدم خيوط سودا فى توب الحزن
لا تولولى فيها ولا تهللِّى..
وحُطى فيها اسم واحد مات
كان صاحبى يا أمَّه..
واسمه.. ناجى العَلِى

عبد الرحمن الأبنودى.. الموت على الأسفلت
 

فى اليوم اليوم العالمى لحرية الصحافة الذى احتفلت به صاحبة الجلالة أمس، تلك الحرية التى ناضل من أجلها كثيرون، والحقيقة أن تاريخنا العربى يحفل بكثيرين ممن دفعوا حياتهم فى سبيل الدفاع عن حرية الصحافة، واليوم احتفى هنا بواحد من هؤلاء الذين آمنوا بصاحبة الجلالة ملاذا لأفكارهم، ومحرابا للدفاع عن قضيتهم، فدفعوا حياتهم ثمن إيمانهم بحرية الصحافة وقضية شعبه.
فى قراءتى الأولى لكتاب شاكر النابلسى "أكله الذئب" عن سيرة رسام الكاريكاتير الفلسطينى ناجى العلى، كانت تختلط ملامحه فى ذهنى بملامح الفنان نور الشريف فى فيلمه "ناجى العلى"، ولكن سريعا ما تلاشت تلك الصورة المختلطة ليحلق "العلى" منفردا فى خيالى فمثله من الصعب أن يشبه أحد. المناضل الذى ظل متمسكا بقضيته، وموقفه كالقابض على الجمر فلم يتغير يوما ولم يهادن أبدا.

ناجى العلى الذى حمل القضية الفلسطينية على عاتقه منذ غادر قريته بفلسطين نازحا مع أسرته إلى لبنان عام 1948 ليستقر بهم الحال داخل مخيم عين الحلوة بالقرب من صيدا بالجنوب اللبنانى فى البداية ظن الأهل أن الغياب مؤقت حتى تنتهى الجيوش العربية من مهمتها وتستعيد فلسطين ولكن الأيام تحولت إلى سنين، ولم تعد العائلة، وتحولت الخيمة إلى وطن جديد تربى ناجى العلى داخلها، فقضى وقته فى الرسم على جلد الخيمة، والعمل فى بساتين الفاكهة للمساعدة فى تكاليف المعيشة، فلم يكمل تعليمه الدراسى.
فى شبابه عمل مدرسا للرسم فى مدرسة ابتدائية، فأقام معرضا فنيا لرسومات الأطفال بمخيم عين الحلوة. زار المعرض بعض من القيادات الفلسطينية، وكان من بينهم الصحفى والكاتب الشاب غسان كنفانى الذى لمح فى المعرض لوحة مميزة تمثل خيمة على شكل هرم ترتفع من رأسه قبضة تطالب بالثأر، فسأل كنفانى عن صاحب اللوحة فقال له ناجى أنه صاحبها فسأله كنفانى:
-شو اللى خلاك ترسم الخيمة على شكل هرم.. يعنى شو علاقة الخيمة بالهرم؟؟
فرد عليه ناجى:
- العلاقة بين الهرم والخيمة يعنى ختمنا وختمهم.. جاية من أنه مفيش تحرير لفلسطين بدون مصر يعنى بصراحة لا نصر دون مصر..
فأخذ كنفانى رسمة العلى ونشرها فى مجلة الحرية التى يعمل بها، وطالبه برسومات جديدة لنشرها فى المجلة، وبدأ سكان المخيم يشترون مجلة الحرية للإطلاع على رسومات ناجى العلى.
بعدها قدم كنفانى فرصة لناجى للعمل فى مجلة الطليعة الكويتية، لكنه اعتذر لغسان لأنه خشى العمل فى الصحافة وهو لم يكمل تعليمه، لكن غسان نصحه بالقراءة فى الفن والسياسة والسفر فورا لاستلام العمل.
ومن هنا بدأت حياة العلى فى بلاط صاحبة الجلالة انطلاقا من مجلة الطليعة الكويتية التى عمل بها فى الفترة من 1963 حتى 1968.
كانت مرحلة مجلة الطليعة هى فترة التجريب فى فن ناجى العلى التى قال عنها فيما بعد أنه تاثر فيها برسامى مجلتى روزاليوسف وصباح الخير حتى أن خطوطه فى بداية عمله كانت تشبه رساميها ومنهم بهجت عثمان وصلاح جاهين. غير أن صلاح جاهين نفسه قال عن ناجى العلى بعد شهرته: "علمنا ناجى العلى الرسم عندما أصبحنا أساتذة".
انتقد ناجى العلى برسوماته فى تلك المرحلة الثروة المفاجئة التى هبطت على دول الخليج، وناقش عبر رسوماته الأثار الاجتماعية المترتبة عليها وأثرها أيضا على القضية الفلسطينية، وتغير سلوكيات المجتمع الخليجى فرسم مثلا رجل خليجى يشعل السيجارة لفتاة بورقة 600 مليون دولار!!

رسم الكفوف زى الصبار
"حنظل" بمرار
صبى قصير واقف محتار... قدام رسمة
رسمه لا تتحادق ولا بتنافق
عيب ناجى إنه عاش صاق... عاش للرسمة


فى 1968 انتقل ناجى للعمل بجريدة السياسة بعد توقف "الطليعة" واستمر بها حتى 1974. فى تلك الفترة ابتكر ناجى العلى أهم شخصية كاريكاتورية فى تاريخ الصحافة العربية "حنظلة" الطفل الفلسطينى الذى قدمه العلى للجمهور فى 13/8/1969 قائلا:
 "عزيزى القارئ:
اسمح لى أن اقدم لك نفسى أنا أعوذ بالله من كلمة أنا.. اسمى حنظلة. اسم أبى مش ضرورى. أمى اسمها نكبة.. نمرة رجلى ما بعرف لإنى دائما حافى.. ولدت فى 5 حزيران 1967.. جنسيتى.. أنا مش فلسطينى مش كويتى مش حدا.. إلخ.. باختصار معيش هوية ولا ناوى اتجنس.. محسوبك عربى وبس.. التقيت صدفة بالرسام ناجى العلى.. كاره شغله لأنه مش عارف يرسم.. وشرح لى الأسباب.. وكيف كل ما رسم عن بلد السفارة تحتج.. عن شو بدى أرسم.. بدى أعيش وناوى يشوف شغلة غير هالشغلة.. قلت له انت شخص جبان وبتهرب من المعركة.. وقسيت عليه بالكلام.. وقلت له انى مستعد ارسم عنه الكاريكاتير كل يوم وفهمته انى ما بخاف من حدا غير الله.. واللى بدو يزعل يروح يبلط البحر.
وياعزيزى القارئ اسف لانى طولت عليك.. وإلى اللقاء غدا..
حنظلة"
ولما سئل ناجى لماذا سماه حنظلة قال:
"عشان يكون رمز المقاومة المُرة، والمعارضة الصابرة اللى مابتهادن
هذا أنا وأنا صغير.. أنا كنت طول نهارى حافى وشورتى مرقع وقميصى مبقع وشعرى منكوش مثل القنفد.. اسطورة ومش راح يكبر إلا بعد ما تعود البلاد لأهلها.
وعن سر عدم التفات حنظلة للقارئ قال ناجى:
"هو مش داير ضهره للقارئ هو اجه ووقف ووجهه لفلسطين قدامه مش إلنا، والقارئ هو اللى اجه ووقف وراه شو خصه".

 فأصبح من وقتها حنظلة ختم ناجى على رسوماته، وحارسا على حلمه بالعودة إلى فلسطين.

فى تلك الفترة ظلت رسوماته انعكاسا صريحا لما يدور فى ذهن رجل الشارع، فزاد انتقاد ناجى للقادة العرب، وقادة منظمة التحرير الفلسطينية وقتها عبر التلويح الصريح فى رسوماته إلى ترف أعضائها بما لا يليق مع ما يعانيه الشعب الفلسطينى فى المخيمات والشتات. حتى أن ياسر عرفات وقف فى إحدى خطبه غاضبا وقال ردا على انتقادات ناجى العلى:
"مين ده ناجى العلى اللى انتوا جايين تقولوا عليه.. دا حتة رسام لا طلع ولا نزل.. ده ولا حاجة.. ده أنا والله بكره أحط صوابعه فى الأسيد.. عشان أعلمه إزاى يرسم ويتمسخر على الثوار الشرفاء."

 


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة