خالد صلاح

محمد حبوشه

140 مليار جنيه حجم إنفاق المصريين على "المزاج"!

الجمعة، 27 أبريل 2018 05:00 م

إضافة تعليق

غريب جدا مزاج المصريين، فلا يمكن التعرف على بوصلتهم بسهولة، أو التوصل إلى قاعدة تساعد على التنبؤ بردود أفعالهم تجاه أمور الحياة العامة، جراء أفعال السياسة القاتلة والاقتصاد الخانق وانقلاب الأوضاع الاجتماعية الضاغطة فى غالب الأحيان، وليس أدل على ذلك أكثر من الطريقة التى تعامل بها المصريون، مع أربعة من أشهر الأشياء التى يتم تناولها أو شربها بهدف جلب السعادة أو التركيز أو باللغة الدراجة "عمل مزاج" حتى يومنا هذا.

 

فلم يكن تعامل المصريين مع كل من "القهوة والدخان والأفيون والحشيش" فى بدايات ظهورهم فى مصر، كما هو الآن بشكل مبالغ فيه للغاية، بل ربما تصدم عندما تعلم أن المصريين حرموا القهوة لسنوات طويلة، وكانوا يعاقبون من يجاهر بتناولها، وفى النهاية، اضطر العثمانيون إلى تعيين مفتى جديد فى مصر أجاز شرب القهوة لوأد الفتنة، وبالتدريج انتشرت فى القاهرة الأماكن التى تقدمها، وأطلق عليها لاحقا اسم المقاهى، وفى مطلع القرن التاسع عشر، وبحسب كتاب "المصريون المحدثون" للمستشرق الإنجليزى "وليم إدوارد لين"، يكشف لنا أن مصر كان بها قرابة ألف مقهى، وكانت القهوة تقدم فى المقاهى بشكل علنى.

 

لكن مشكلة المزاج الثانى للمصريين "الدخان" كانت أكثر تعقيدا من القهوة، حيث تمسك كثير من فقهاء المسلمين بتحريمه، وكثيرا ما كان يطارد مدخنوه، تماما كما يطارد مدخنو الحشيش فى أيامنا هذه، ويذكر الجبرتى فى حوادث سنة 1156، أن الوالى العثمانى أصدر أوامره بمنع تعاطى الدخان فى الشوارع وعلى الدكاكين وأبواب البيوت، ونزل معه الأغا ونادى بذلك، وشدد بالإنكار والنكال بمن يفعل ذلك، وكان كلما رأى شخصا بيده آلة الدخان يعاقبه، وربما أطعمه الحجر الذى يوضع فيه الدخان بما فيه من نار!، وهو ما أثار حفيظة المتصوفة، الذين تمسكوا أيضا بالدفاع عن حرية شرب الدخان، حتى أن بعض شعراء الصوفية ألف قصائد فى وصف التبغ والمتعة التى يبثها فى نفس الإنسان بسبب تناوله!

 

أما عن استخدام الحشيش كنوع ثالث من المزاج المصرى، فلم يعرفه المصريون إلا فى القرن السابع عشر الهجرى نتيجة احتكاكهم بالشعوب الأخرى، التى جربت الحشيش كمخدر، يبعث على السعادة والسرور، فيما يذكر المؤرخ تقى الدين فى كتابه "المواعظ والاعتبار فى ذكر الخطط والآثار"، فى باب أسماه "حشيشة الفقراء"، ما قيل عن الحشيش وكيفية اكتشافه التى كانت على أيدى أحد المتصوفة، لافتا إلى أنه دخل مصر فى عام 628هـ، وكانت ردود أفعال العامة حوله غير ثابتة دائما، فحينا يتم المجاهرة بشربه ويجد رواجا كبيرا بين الفقراء، وحينا يتم منعه ليقتصر على الأغنياء فقط، لافتا إلى أن أحدا لم يصدر فى زمنه فتوى بتحريم الحشيش، إلا أنه عندما علم "محمد على" بأن تعاطى الحشيش يصيب العاملين بالوهن والكسل، أصدر أوامره إلى جميع المديرين بمنع زراعته، لكن قراره لم يكن بمثابة قانون يجرم الزراعة أو البيع أو التناول.

 

هذا وعرف المصريون القدماء "الأفيون" كنوع رابع من المزاج فى وقت مبكر، حيث إن النقوش الفرعونية التى وجدت بمقابرهم تؤكد أن قدماء المصريين استخدموا الأفيون فى عمل وصفات دوائية لعلاج الأطفال، ويقول المقريزى فى "الخطط" فى معرض حديثه عن فضائل مصر متفاخرا بأن مصر "بها الأفيون عصارة الخشخاش ولا يجهل منافعه إلا جاهل"!، ما يكشف أن تناوله لم يكن من المحرمات الشرعية فى فترة حكم المماليك، وذكرت بعض المراجع أن المصريين كانوا يمضغون الأفيون، وعندما وصل "محمد على" إلى الحكم، أمر بالتوسع فى زراعة الأفيون فى صعيد مصر، واستمر هذا التوسع طوال قرن كامل، حيث وصل الأمر إلى أن محافظة قنا وحدها كانت تنتج 12 ألف فدان من الأفيون سنويا.

 

ولم يذكر أنه كانت هناك أى معارضة دينية لتعاطى هذا النبات، إلا أنه فى بدايات القرن العشرين، ومع انتشار الصحف، بدأت تنتشر تحذيرات للمتخصصين خاصة الأجانب منهم، عن مخاطر تعاطى الأفيون، ونشرت صحيفة الأهرام حينها تقول أن هناك قرابة مليون ونصف المليون مصرى يأكلون الأفيون من الفلاحين، وبعدما قادت الصحافة حملة ضد هذا النبات، صدرت فعليا الأوامر بإبطال زراعة الأفيون فى محافظات الصعيد فى 25 أبريل 1925، بدعوى الحفاظ على الصحة العامة للمصريين وتجنب تأثيراته الضارة.

 

كل ما مضى من خدش خفيف لذاكرة المصريين حول المزاج يأتى فى كفة، وما تناولته دراسة حديثة للدكتور عادل عامر، الخبير بالمعهد العربى الأوروبى للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية، يأتى فى كفة أخرى، فأول الحقائق المذهلة التى ذكرتها الدراسة، أن المصريين استهلكوا منشطات جنسية بقيمة مليار و110 ملايين و363 ألف جنيه، خلال عام 2016 وهو قيمة شراء 39 مليونا و557 ألفا و440 علبة منشط جنسى من أنواع مختلفة، أن المقبلين على شراء المنشطات الجنسية تبدأ أعمارهم من سن العشرين عام تقريبا.

 

والواقع أنه تبدو تلك الأرقام منطقيا جدا، فنحن تقريبا (104 ملايين مواطن)، ونعلم جميعا أن الجنس هو "الحاجة الحلوة" الوحيدة الموجودة فى حياتنا فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، ولا يستطيع أحد أن يحاسبنا على مزاجنا المشروع، لكن الحقيقة الصادمة جدا فى تلك الدراسة أن حجم ما ينفقه المصريون على مزاجهم من المخدرات يبلغ نحو 140 مليار جنيه سنويًا، على الرغم أن الضرائب المفروضة على هذه المنتجات تصل إلى 200%، وهو الأمر الذى يؤكد أن حجم الانفاق على المخدرات فى مصر تجاوز الدخل الشهرى لقناة السويس، فضلا عن أن هذه الدراسة شملت الأنواع المتداولة بشكل أكبر فى الشارع المصرى.

 

فأولى الحقائق المرة تقول أن نحو 20 مليون شخص يتعاطون مادة الحشيش، بينما العدد الضخم الذى يقرب من أكثر من 40 مليون يتعاطون نبات البانجو، وأشارت الدراسة إلى أن كمية الإنفاق اليومى على المخدرات بأنواعها فى مصر تجاوز رقما ضخما يقدر بـ 60 مليون جنيه،  أى أن الانفاق على المخدرات تجاوز 1.8 مليار جنيهًا شهريًا ، وهذا يعنى بالطبع أن عدد من يتعاطون المخدرات فى ازدياد مستمر يومًا تلو الآخر، لكن الخطورة تكمن أكثر فى تصنيف الدراسة للمرحلة السنية للمدمنين والتى قسمتها إلى عدة شرائح عمرية، المرحلة الأولى من سن الثالثة عشر وحتى الثامنة عشر يتعاطون نبات البانجو المخدر لتواجده بشكل دائم بين تجار المخدرات وقلة سعرة، بينما المرحلة الثانية وهى من الثامنة عشر وحتى الثلاثون عامًا يتعاطون جوهر الحشيش، ذلك أنه يعمل على تحسين قدراتهم على العمل بمزاج عال وصافى وأيضا لأنه الكمية القليلة منة تجلب السعادة الزوجية.

 

أما المرحلة الثالثة وهى من الثلاثون وحتى الخمسون عامًا وهى المرحلة التى تفضل تعاطى مادة الهيروين، لأنها كما ذكرت الدراسة تعمل على تحسين المزاج، ولا يتناولها سوى الفئة المزاجية التى تحتاج إلى ما يذهب الهموم، ما يعكس لنا بالضرورة أن الانفاق السرى على المخدرات تجاوز رقمًا ضخما شهريًا يُعد دخلًا قوميًا يفوق دخل قناة السويس الشهرى، وهذا الدخل يكفى لعمل العديد من المشروعات العملاقة داخل مصر.

 

وترصد الدراسة فيما يلى وقفات لأرقام المصريين مع ما يسمى "سلع الكيف أيضا والتى يتعاطونها تماما كتعاطى المخدرات": 40% من إنفاق المصريين على الطعام والشراب والمخدرات، 26 مليار جنيه سنويًا نسبة إنفاق المصريين على المواد المخدرة، فى الوقت الذى وصلت فيه النسبة العالمية إلى 800 مليار دولار سنويًا، 654 مليون و870 ألف جنيه حجم استيراد مصر من التبغ المفروم، والصالح للمضغ فى خلال 8 أشهر فى الفترة من يناير وحتى شهر أغسطس 2016، وكانت قد سجلت الدراسة 579 مليون جنيه ورق الدخان،990 مليون و548 ألف جنيه واردات مصر من "ورق الدخان"، 15 مليون مصرى يدخنون السجائر 6% التكلفة الاقتصادية للتدخين من متوسط الدخل الشهرى للأسرة 128 مليار حجم إنفاق المصريين على التدخين بكل أنواعه والمخدرات، مليار جنيه سنويًا حجم إنفاق المصريين على ورق البفرة، 25 مليار حجم إيرادات المعسل سنويًا الشاى والبن والنسكافيه، 11 مليارا ينفقها المصريون سنويًا على شراء الشاى والسكر والنسكافيه، 133 مليون دولار حجم استيراد البن الذى يستهلكه المصريين خلال عام واحد، وتضمنت الواردات المصرية فى ذلك السياق على سبيل التفصيل، مثلجات "آيس كريم، بوظة، وغيرها" تزيد نسبة اللبن بها على 50% المثلجات والسحلب.

 

وما يهمنا فى الأمر أن ظاهرة بيع وتجارة المخدرات فى مصر أصبحت تحتل الترتيب الثانى فى أفريقيا من حيث تعاطى و تجارة المخدرات، ووصل ترتبيها على المستوى العالمى إلى الترتيب العاشر بين أكثر الدول استخداما للحشيش، حيث وصل حجم الإتجار بالمواد المخدرة والإنفاق عليها نحو 400 مليار دولار سنويا أو أكثر من ذلك، ولقد تبين أن ظاهرة تجارة المخدرات انتشرت بشكل كبير، وأيضا أرقام التعاطى الذى وصلت إليها الدراسة تعد صادمة للغاية: ففى مصر 11 % من المصريين يتعاطون المخدرات، وهو رقم ضعف المعدل العالمى ، و27 % من المتعاطى الإناث، و 73% من الذكور، و24 % من الحرفيين ، ليصبح متوسط الإنفاق الشهرى على المخدرات 237.1 جنيها، والمؤسف أكثر - بحسب الدراسة - إنه تعددت أنواع المخدرات وأيضا تنوعت نسبة تعاطيها ، فتعاطى الترامادول 51.8 % ، والحشيش 23.3 % والهيروين 25.6%.

 

كما تشير الإحصاءات إلى تزايد ضخم فى حجم الإنفاق على المخدرات بشكل يدعو إلى نوع من الصدمة، حيث أتضح أن 30.6 % يتعاطون المخدرات من أجل العمل لفترة طويلة، مثل أخذهم للترامادول، و35.2 % يتناوله من أجل نسيان الهموم ، 34.8 % من أجل الاكتئاب، 36.6 % من أجل القبول الإجتماعى ، 37.8 % من أجل حبهم للتجربة، 24.9 % من أجل الإبداع ، وأخيرا 29.1 % من أجل الجرأة، وهذه النسبة فى حد ذاتها صادمة لمجتمع به نسبة كبيرة من المتعلمين، فكل ذلك الانتشار يرجع للانفلات الأمنى الذى حدث فى ثورة يناير وقاموا برفع معدلات التجارة فى مصر .

 

إن تعاطى وإدمان المخدرات أصبح مشكلة صحية واجتماعية وأمنية واقتصادية كبرى فى البلاد العربية، فضحايا المخدرات يتضاعفون فى ظل إغراق بلادنا بكميات هائلة من هذه السموم، والتى أصبحت تنتج داخل بعض هذه الدول وتنتقل إلى الدول المجاورة لها فى ظل الانفلات الأمنى وعدم قدرة بعض الدول على حماية حدودها، رغم الجهود الأمنية الكبيرة التى تبذل للقضاء على مصادر المخدرات والسموم والجهود الصحية التى تبذل لعلاج المدمنين، ومن ثم يصبح حتميا علينا ضرورة تفعيل وسائل المواجهة الأمنية والإعلامية والدينية والصحية، والاهتمام بوسائل الوقاية، فهذه السموم القاتلة أصبحت الآن تتداول بين التجار والمروجين لها والمدمنين بيسر وسهولة، بل فى ظل ضعف أجهزة الشرطة فى بعض البلدان العربية أصبح تجارها يبيعونها علناً فى الشوارع وأمام الجامعات، وفى ظل توفرها وانخفاض أسعارها أصبحت متاحة وفى متناول شبابنا .. وتلك هى الكارثة !


إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة