خالد صلاح

محمد شومان

هل نعيش عصر الدعاية الكبرى؟

السبت، 14 أبريل 2018 10:00 م

إضافة تعليق
كثرة وانتشار الأخبار المضللة، واستخدامها على نطاق واسع لتزييف وعى البشر عبر كل دول العالم طرح أكثر من سؤال حقيقى حول موت الإعلام وسيادة الدعاية والتزييف، ولاشك أن موت الإعلام وصف صعب ومبالغ فيه، فالإعلام بمعنى تقديم الحقائق والمعلومات بشكل موضوعى وغير متحيز قد تراجع كثيرًا، لكنه لن يموت!!
 
والمفارقة أن هيمنة الدعاية والتضليل قد انتشرا مع انتشار تكنولوجيا الاتصال والمعلومات وثورة الإنترنت والسوشيال ميديا، وأقول مفارقة لأن علماء وخبراء الإعلام قبل عشرين سنة روجوا لفكرة أن التكنولوجيا ستزيد من قدرة البشر على المعرفة والوصول للحقائق وكشف الدعاية وقتل الشائعات.
 
لكن كل ذلك لم يحدث، واتخذت الأحداث والممارسات الإعلامية مسارا مغايرا تماما.. حيث تحولت وسائل التواصل الاجتماعى وكثير من الصحف والقنوات التليفزيونية إلى منصات لإطلاق الشائعات والتلاعب بالعقول والقلوب وممارسة شتى أنواع التزييف والخداع. وهناك أسباب كثيرة تفسر هذا التحول، لعل أهمها زيادة اعتماد الأفراد والمؤسسات الإعلامية والصحفية على السوشيال ميديا، وتقديم عنصر السرعة على الدقة، وأزمة الصحافة الورقية واشتعال المنافسة فى السوق الإعلامى، وبحث الجميع المحموم على الإعلان والترافيك. إضافة إلى انفجار المعلومات والأخبار وتراجع قدرة الأفراد على المتابعة والتمحيص بين الأخبار والمعلومات أو ما يوصف بـ«التيه ألمعلوماتى»، والذى يعانى منه قطاع كبير من المواطنين فى العالم، ويجعلهم يقعون فريسة للأخبار المضللة والشائعات التى تروج لكل ما هو غريب وبسيط لكنه يبدو مهما وجديدا.
 
فى ظل عصر هيمنة الدعاية والتضليل أعتقد أن هناك أهمية للتمييز بين الإعلام والدعاية والتعليم، وتدريس هذه الفروق للطلبة فى المدارس والجامعات، بحيث نرتقى بقدراتهم النقدية فى التعامل مع الإعلام الجديد والقديم.
 
إن الدعاية فى كلمات موجزة هى مجمل الأنشطة التى تسعى إلى نشر مبدأ أو أفكار معينة من خلال استخدام الرموز والصور الإيحاءات والتلاعب بالمشاعر والعواطف، ويتضمن ذلك بطبيعة الحال التأثير فى الجمهور، أما التعليم فهو عملية نقل للمعرفة والمهارات، لكن هذه العملية، التعليم، تتأثر أيضًا بالأيدلوجيات والنظم الاجتماعية والسياسية القائمة. فالتعليم فى مجتمع ديمقراطى يختلف عن التعليم فى مجتمع شيوعى أو شمولى، وحتى الآن لا يوجد تمييز دقيق بين التعليم والدعاية، أو بين الدعاية والإعلام، أو بين الدعاية والإعلان، وإن كان أغلب الباحثين يعتبرون والإعلان هو الشكل الحديث للدعاية فى المجتمعات الرأسمالية.
ويرى بنجامين جينسبرج أن الدعاية هى المحاولة المتعمدة والمنظمة لتشكيل المدركات والتلاعب بالمعارف والسلوك المباشر وتحقيق استجابة متوقعة وفق رغبة أو أهداف رجل الدعاية. بينما يعرف بوجارت Bogart الدعاية بأنها فن يتطلب موهبة خاصة، فهى ليست عملية آلية، بل عمل علمى، فالتأثير فى الاتجاهات يتطلب خبرة ومعرفة واسعة لدى رجل الدعاية الذى يجب أن يكون لديه حس ومعرفة لما يفكر فيه الجمهور وردود أفعاله.
 
وهناك تعريف آخر مشترك لبرت كانس وارونسن يرى أن الدعاية هى أساليب الإقناع الجماهيرى والتى تميز المجتمع ما بعد الصناعى، والثابت أن هذا التعريف يمثل اتجاهًا واسعًا بين الباحثين يرى أن جوهر الدعاية والإعلان هو الإقناع، فكل دعاية أو حتى إعلام يهدف إلى إقناع الجمهور بفكرة أو بشىء ما.. كذلك الإعلان يهدف إلى إقناع الجمهور بسلعة أو خدمة أو حتى انتخاب نائب جديد فى البرلمان.
 
ولكن ما هو الإقناع، إنه ببساطة العملية المستمرة والمعقدة للتفاعل الذى يربط بين المرسل والمستقبل من خلال رموز لفظية وغير لفظية يقوم خلالها القائم بالإقناع «القائم بالاتصال» بمحاولة التأثير فى الشخص أو الجمهور المستهدف لإقناعه بشىء من خلال تغيير اتجاهه أو سلوكه، والإقناع عادة يعنى التأثير الناجح ويتطلب ذلك أن يشعر المستقبل أن رغباته قد تحققت.
 
نخلص إلى أن تحديد مفهوم الدعاية مازال مثار جدل وخلاف بين الباحثين، على أساس أن الدعاية كمصطلح أو مفهوم ارتبط بمعانى ودلالات سلبية يحاول كل باحث أو إعلامى التنكر منها. وقد أخفقت بحوث الاتصال والإعلام فى التمييز بين الإعلام والتعليم والدعاية والإعلام، لأننا إذا قبلنا بمفهوم للدعاية ينص مثلا على أنها الجهود المنظمة والمقصودة بهدف تشكيل المدركات والتلاعب بالمعارف والسلوك لصالح أهداف يسعى إلى تحقيقها رجل الدعاية.. إذا قبلنا هذا المفهوم فإننا سنجد أنه يتضمن محاولة التأثير وتغيير الآراء والاتجاهات والسلوك، وهى أمور تدخل ضمن وظائف وأهداف الإعلام والتعليم والإعلان.
 
أى أن الدعاية حاضرة بدرجات مختلفة فى الإعلام والتعليم. كما أنها ستبقى مرتبطة بأحكام قيمية وأخلاقية غير متفق عليها، ومعرضة للاستخدام الجيد والردىء على حد سواء، حسب نوايا وأهداف رجل الدعاية، الذى يظهر فى كثير من الأحيان فى صورة من يدعى أنه رجل إعلام أو رجل سياسة أو حتى رجل دين!!.
ولذلك يمكن النظر إلى الدعاية والإعلام على وجه التحديد كمتصل أحد طرفيه الإعلام «فى أقصى اليمين» كعملية قائمة على نشر الأخبار والمعلومات والآراء المتعارضة بشكل متوازن وأقرب إلى الحياد والموضوعية. بينما تقع الدعاية على الطرف الثانى «فى أقصى اليسار» كعملية قائمة على التشويه والتدخل وحجب المعلومات والآراء أو تلوينها بحسب أهداف ومصالح الأشخاص والقوى الاجتماعية التى تتحكم فى وسائل الإعلام وتسيطر عليها، حيث يشكل الطرف الأول، الإعلام، فى صورته المثالية أو النقية، أى ما يجب أن يكون عليه الإعلام ممثلا فى نقل الحقائق والآراء المتعارضة بتوازن وحياد وموضوعية، بينما يمثل الطرف الثانى «أقصى اليسار»، الدعاية فى أوضح صورها أو ما يعرف بالدعاية السوداء.
 
وبمقدار اقتراب أو ابتعاد الرسالة الإعلامية أو الخطاب الإعلامى والسياسى من أحد طرفى هذا المتصل يمكن أن نحكم عليها إذا ما كانت تنتمى إلى الإعلام أم الدعاية. أى أن الفرد المتلقى هو الذى عليه واجب ومسؤولية الحكم على ما يقدم له، هل هو إعلام أم دعاية أم مزيج بينهما، وعليك عزيزى القارئ أن تكون على قناعة تامة من أن معظم ما يقدم إليك عبر كل الميديا الجديدة والقديمة هو مزيج من الدعاية والتزييف والحقائق، لذلك كن حريصًا وواعيًا ولا تصدق كل ما تراه أو تسمعه أو تقرأه. ومارس فضيلة الشك والتفكير النقدى دائمًا.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة