خالد صلاح
}

عباس شومان

عشوائية الخير!

الأربعاء، 21 فبراير 2018 10:00 ص

إضافة تعليق
تنصرف الأذهان عند إطلاق كلمة «العشوائيات» إلى مناطق سكنية معينة لم يراعَ فيها تخطيط ولا نظام، غير أن العشوائيات فى مجتمعاتنا ليست محصورة فى التجمعات السكنية المعروفة، وإنما تتصف كثير من مجالات حياتنا بهذا الوصف الذى يشير إلى هدر فى الإمكانات والطاقات، بل فى الحياة كلها.
 
فهناك عشوائيات بين دولنا العربية والإسلامية فيما تقوم به من جهود على المستويات كافة، حيث تعمل كل دولة بمعزل عن أخواتها، وهو من أهم أسباب ضعفنا وتراجعنا. وهناك عشوائيات فى تنسيق الجهود بين مؤسسات الدولة الواحدة، حيث تعمل معظم المؤسسات بشكل منفرد دون تنسيق بينها وبين المؤسسات المعنية ذات الصلة بالأعمال ذاتها. وربما تعذر المؤسسات إن كانت مؤسسات خاصة تعمل فى مجال التجارة، حيث التنافس لكسب مزيد من الأرباح، لكن تعامل المؤسسات الحكومية خاصة الخدمية هو الذى يوجب الاستغراب والعجب، فربما وأنت تمر على طريق لم يتغير لونه من الأسود إلى الرمادى لحداثة رصفه، تُفاجأ بأعمال الحفر فيه لتوصيل الغاز أو الصرف الصحى أو الكهرباء.. إلخ، ليعود الشارع إلى سابق عهده ترابيًّا مع بعض المطبات المتمثلة فى المتبقى من كتل الإسفلت المتفرقة هنا وهناك، الأمر الذى يترحم معه المارة على الأيام التى كان فيها الطريق ترابيًّا أو رمليًّا قبل رصفه! وقد تسير فى شارع ما تم رصفه قبل سنوات قليلة وربما شهور معدودة، فإذا بك تجد حضورًا كثيفًا لمعدات ثقيلة تنسف أشجار الجزيرة الفاصلة بين اتجاهى الطريق، وتهجم أخرى لاقتلاع الأرصفة الخرسانية، لأن القائمين على الأمر اكتشفوا فجأة أن الشارع ضيق وبحاجة ماسة إلى إضافة حارات جديدة، وكأنه لا يوجد اختراع يسمى دراسات الجدوى والخطط التى تعد بناء على استشراف المستقبل، والأخذ فى الاعتبار الزيادات السكانية المتوقعة! ولا يخفى ما تكلفه هذه العشوائية من أموال وجهود كان يمكن توفير معظمها لو نُفذت الأعمال كلها مرة واحدة، أو أُعدت دراسات الجدوى ووُضعت الخطط اللازمة.
 
المؤسسات التعليمية والدعوية هى الأخرى أصابتها العشوائية، حيث يقل مستوى التنسيق بين هذه المؤسسات عن الحد المطلوب مع الأسف الشديد، وهو ما يؤثر سلبًا على الرؤية الشاملة والأطر العامة التى لا علاقة لها بالتخصصات الدقيقة وطبيعة كل مؤسسة التى لا تؤثر على التنافسية بينها.
 
وفى مجال القوانين والتشريعات الذى ينبغى أن يكون المجال الأكثر انتظامًا وانضباطًا، تجد العشوائية ظاهرة جلية، حيث تتقدم مؤسسة ما بمشروع قانون وتتم المصادقة عليه دون تنسيق مع بقية المؤسسات ذات العلاقة، فمثلًا يُسن قانون يتعلق بنظام القبول أو الابتعاث أو المصروفات الدراسية، فتُفاجأ المؤسسات الأخرى ذات الصلة باختلافها مع المؤسسة التى أنجزت قانونها، وهنا إما أن تبقى كل مؤسسة على نظامها فتتعدد النظم فى المؤسسات المتشابهة فى طبيعة عملها، أو تتحرك المؤسسات الأخرى لسن قانون مماثل لعلاج هذا التفاوت، فتكون النتيجة تضخم القوانين بلا داعٍ، وكان يمكن تدارك ذلك لو نسقت هذه المؤسسات فيما بينها وتقدمت بمشروع قانون واحد من البداية.
 
ولم ينجُ الإفتاء أيضًا من العشوائية، بل إنه ما من مجال أظهر فيه العشوائية من مجال الإفتاء، مع أنه مجال عظيم، ويكفيه عظمة أنه توقيع عن الله ورسوله، فالعشوائية فى مجال الإفتاء واضحة ظاهرة فى وسائل الإعلام المختلفة وفى مواقع التواصل الاجتماعى، ويكفى لتتصف هذه الفتاوى بالعشوائية ما تحدثه من بلبلة فى المجتمع واضطراب فى أحوال الناس، وليس ذلك إلا لتطفل غير المؤهلين على ميادين الفتوى، ولعدم وجود تشريع يضبط أداءها وينظم أحوالها.
 
ومن العشوائيات المضيعة لكثير من الخير دون طائل يرجى، تلك العشوائيات الموجودة فى أعمال جهات الخير التى تعمل على تخفيف البؤس والفقر عن الناس، فلدينا العديد من الجمعيات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدنى المعنية بالتكافل والتضامن الاجتماعى، وهذه الجهات تنفق أموالًا طائلة ربما تكون كفيلة بالقضاء على جوع الجائعين وبؤس البائسين إن قُضى على عشوائياتها ونسقت جهودها، فكثير من الناس لا يصله شىء من خير هذه الجهات على الإطلاق، بينما يستفيد بعضهم من معظم هذه الجهات فى آن واحد، حيث إن بعض الناس لديهم القدرة على الوصول إلى كثير من هذه الجهات، فتمنحه أكثر من جهة بعض الأموال وربما معاشًا شهريًّا، فى حين لا يعرف معظم الناس طريق الوصول إلى جهة واحدة من هذه الجهات، ولو أن هذه الجمعيات الخيرية أعدت قاعدة بيانات موحدة للمستفيدين، بحيث تكون مشتركة بينها وبين وزارة التضامن الاجتماعى وبيت الزكاة والصدقات المصرى الذى يشرف عليه فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وتكون قاعدة البيانات هذه متصلة ببعضها ومحدثة وتفاعلية، بحيث يظهر لكل جهة المستفيد من أى جهة من هذه الجهات ومقدار ما استفاده، فتبحث الجهة حالته ومقدار حاجته فى ضوء ما أخذه من الجهات الأخرى، فمثلًا إذا كان هناك مريض يحتاج إلى إجراء عملية جراحية تكلِّف قدرًا معينًا من المال، فصرف له بيت الزكاة جزءًا من هذا المبلغ، ثم توجه الشخص نفسه إلى جهة أخرى بنفس المستندات، عندئذ يظهر فى قاعدة البيانات المشتركة مقدار ما صرفه من بيت الزكاة، فتصرف له الجهة الجديدة الجزء المتبقى أو بعضه، وليس جميع المبلغ الذى قد يصرفه من أكثر من جهة دون أن يجرى العملية أصلًا! ولذا، فالأولى أن تتولى جهة ما الترتيب لإجراء العملية بالتنسيق مع المستشفى مباشرة، وبذلك تغلق أبواب الاحتيال أمام المحترفين، وتوفر الأموال لينتفع بها آخرون هم فى حاجة ماسة إليها. وتظهر العشوائية أيضًا فى التعامل مع الكوارث والأزمات، حيث تنطلق كل جهة من تلقاء نفسها لتقديم المساعدات اللازمة دون تنسيق مع بقية الجهات التابعة للدولة أو الأهلية، ودون معرفة الواقع الفعلى ودراسة عاجلة للاحتياجات المطلوبة، فتجد جهة ما تقرر صرف إعانة معينة مالية أو عينية لكل متضرر، لكنها تكون أقل من الضرر الواقع، أو تزيد أحيانًا على الضرر الواقع أضعافًا، ثم يتكرر هذا الصنيع من جهات أخرى لعدم علمها بما فعلته الجهات السابقة، فى حين يبقى آخرون على حالتهم المأساوية دون أن تصل إليهم جهة واحدة ولو بجنيه واحد!
 
وحتى فى حالات مواساة أهالى الشهداء فى العمليات الإرهابية والكوارث الطبيعية وغيرها، تجد العشوائية بادية أحيانًا، مع أن أموال الدنيا لا تعوض نقطة دم لجريح فضلًا عن شهيد، حيث تقرر الدولة مثلًا فى حادثة ما تعويضًا ماليًّا محددًا، وتقرر جهات خير أهلية مبلغًا آخر، وغالبًا ما تكون المساعدات المالية المقررة موحدة لكل جريح أو أهل شهيد، فالأسرة المكونة من عشرة أفراد أو أكثر، وفيها جريح واحد أقعدته إصابته عن العمل، لا يقوم المصروف له غالبًا، مع تعدد الجهات، بالأعباء المالية لأسرته التى كان ينفق عليها من عمله قبل إصابته، وذلك لتدنى ما يصرف للجرحى غالبًا، وقد يكون لأسرة كبيرة شهيد فلا يحقق المصروف لورثته الحد الأدنى من الحاجة.
 
وحل كل هذه الإشكاليات يكمن فى القضاء على عشوائيات أعمال الخير، وتنسيق الجهود بين المؤسسات ذات الطبيعة المشتركة، والوقوف على الاحتياج الحقيقى للمضارين دون تحديد مسبق لمقدار ما يصرف لكل مضار، والعمل فى ضوء دراسات الجدوى وإعداد الخطط التى ترصد الواقع وتستشرف المستقبل.
 

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة