خالد صلاح

انطلاق الصوفية.. كيف تحولت الطريقة من فقراء المسلمين إلى أهل الفكر

الخميس، 06 ديسمبر 2018 12:00 ص
انطلاق الصوفية.. كيف تحولت الطريقة من فقراء المسلمين إلى أهل الفكر غلاف كتاب الصوفية
كتب أحمد إبراهيم الشريف
إضافة تعليق

الغرب مشغول بطرق الإسلام المختلفة وعلى رأسها الصوفية، ومن ذلك كتاب "الصوفية.. نشأتها وتاريخها" لـ نايل جرين، وصدرت ترجمته عن مؤسسة هنداوى وقامت بها صفية مختار وراجعها مصطفى محمد فؤاد، وفيه يتناول المؤلف تحت عنوان (السياق) كيف استطاعت الصوفية أن توجد لها مكانًا فعليًا فى العالم الإسلامى بعد أكثر من مائتى عام من وفاة الرسول.

ويقول الكتاب: "المكان بغداد فى حوالى عام ٨٥٠ ميلادية، إننا على بُعْد ما يزيد على ثمانمائة ميل فى الصحراء عن مكان إعلان النبى محمد نزولَ الوحى عليه فى مكة، وقد مضى ما يَزيد عن مائتَى سنة على موته".

وعلى الرغم من أن كلمة صوفى يعنى (أى مُرتَدِى الصوف) كانت مُستخدَمة منذ سنوات كثيرة، باعتبارها لقبًا أو حتى توبيخًا للنُّساك الموجودين فى البرِّية المحيطة، فإنها استُخدِمت هنا لأول مرةٍ للإشارة إلى أشخاصٍ فى المدينة نفسها.

 وعلى النقيض من المُنعزلين ساكنى الجبال والصحراء الذين يكتنفهم الغموضُ ويعيشون على الهامش، فإن رجال المدينة هؤلاء لم يكتبوا فحسب كتبًا تخبر الآخَرين عن كيفية التصرُّف، لكنهم أيضًا حقَّقوا شهرةً كافية فى أعين المعاصرين والتابعين جعلتْهم يُناقشون كتبهم ويحافظون عليها.

وفى إحدى المفارقات المألوفة فى التاريخ الديني، تُخبرنا الحقيقةُ الخالصة التى نعلمها عن هؤلاء الرجال أنهم لم يكونوا شخصيات منعزلة أو غير اجتماعية تنأى بأنفسها عن العالَم، بل كانوا شخصيات عامة لديهم حياة عامة فى مدينة ربما تكون الأغنى والأكثرَ عالميةً فى العالَم.

بحلول مُنتصَف القرن التاسع كان قد عاش ثمانية أجيال من الآباء والأبناء منذ أن أسَّس النبى محمد مجتمعَ المسلمين، وفى العاصمة الثالثة لذلك المجتمع، كان العُباد والعلماء من وَرَثة هذا المجتمع المؤسس أكثر وعيًا من ذى قبلُ بمسئوليات الحفاظ على رسالة النبى محمد فى غيابه. إنه وقتُ إنتاجيةٍ غير مسبوقة من الناحية التشريعية والأخلاقية، والروحانية والفكرية؛ فمِن خلال تراث النبى والأجيال الأولى من المسلمين، ابتُكِرت معانى كثيرة للإسلام (ونُوقِشت وقُمِعت فى بعض الأحيان).

 وعبر الجيل السابق، وجد المتعلِّمون وسيلةً جديدة لنشر أفكارهم وتبادُلها؛ إذ جلبَت الطرقُ التجارية الكبرى للمدينة الورقَ من الصين ليحلَّ محل الرَّقِّ والبَرديِّ؛ فبدأ الكثير من الكتب يُكتَب (ويُنسخ ويُباع)، ووجَدت الأفكارُ الجديدة مؤيدين ومنتقدين لها، واكتسب الإسلام نفسُه المعانى والأشكالَ المختلفة للتديُّن والمؤسسات التى سوف تَرثُها الأجيال القادمة وينسبونها إلى زمن النبى أو كلمات القرآن الذى جاء به. إذا كان التراث الورقى الذى تركه الصوفيون الأوائل لا يَنقل المؤرخ إلى فترةٍ أبكرَ من فترة أوائل القرن التاسع هذه، فإنه يمكن قول الأمر نفسه عن تدوين التقاليد الإسلامية الأساسية الأخرى مثل الشريعة والسُّنَّة النبوية؛ ففى حوالى عام ٨٥٠ ، لم تكن المجموعة الصغيرة من الأشخاص الذين يُدعَون صوفيين منفصلةً كليٍّا فى اهتماماتها عن الرجال الذين درسوا المبادئَ الشرعية، أو بحثوا عن طرُقٍ لتمييز الروايات الصادقة عن الكاذبة الواردة عن أقوالِ وأفعالِ النبي. وعلى الرغم من أن كلمة صوفى يمكن أن تعنى أمورًا مختلفة عديدة فى أزمنة لاحقة وأماكن أخرى، فهنا حيث انتشر المصطلح لأول مرة، كان يشير إلى الأفراد الذين لهم طريقة خاصة فى سلوكهم وتَقْواهم. تمثَّلت تلك الطريقة فى تقرُّبهم الشديد إلى لله، وعزوفهم عن مُتَع الحياة، لدرجة أنهم ارتدَوْا فعليٍّا فى البداية الملابسَ الصوفية الثقيلة والخشنة.

 


إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة