خالد صلاح

سامح جويدة

قسوة الحياة فى مصر (1)

الأربعاء، 19 ديسمبر 2018 12:00 م

إضافة تعليق
إن قسوة الحياة ليست إلا مرادفا لقسوة من حولك.. ونحن تعودنا على تبادل القسوة بلا وعى.. حتى أصبحت حياتنا صعبة بل وأحيانا كئيبة، لغة الإحباط والتشاؤم والتباكى أصبحت سمة فى جلساتنا اليومية وكأن بداخل كل منا طاقة سلبية هائلة يريد أن يفجرها فى من حوله، نتبادل نظرات التجهم والترصد والتحفز فى الشوارع وكأننا غابة استوائية ولسنا أصحاب أقدم حضارة إنسانية.. صنعنا سوقا من المزايدة والاستغلال فى كل شىء لا فرق بين كشف الطبيب ومصروفات التعليم وتصليح البالوعات.. نشعر بانعدام ثقة هائل فى كل تعاملاتنا اليومية.. عندنا إحساس مزمن بأننا فريسة سهلة لاستغلال وجشع وفساد الآخرين. ننتظر الغدر والنصب ونتوقع الأسوأ دائما من العوام والبعيدين.. نحيط أطفالنا بأسوار من الخوف والقلق ونربى فى عقولهم الصغيرة الرهبة من المجتمع والشارع، نعلمهم أن كل الغرباء مقلقون وأن كل من لا نعرفهم قد يكونون مجرمين !! نصنع فجوة تتسع كل يوم بين طبقات المجتمع وفئاته, الفقراء محبطون والأغنياء متأففون والمستورون خائفون.. افتقدنا حلاوة الشارع المصرى وابتسامة أهله وأمانه. خسرنا فجأة دفء المجتمع وتلاحمه وتراحمه.. فكرة أبواب البيوت المفتوحة أصبحت خرافة وصفات الشرف والنبل والأمانة أصبحت غالية ونادرة التداول.. الكرم والشهامة والنخوة ضاعت أو سقطت وما عدنا نصدق أنها موجودة بيننا.. 
 
ولكن هل نحن بهذا السوء؟!.. هل انطباعاتنا المخيفة عن بعضنا البعض صادقة؟!.. هل الخوف الذى نعلمه لأطفالنا له مبررات حقيقية؟!.. هل اختفت صفاتنا الجميلة التى طالما تغنى بها أجدادنا؟! أم أننا نبالغ فى تقدير كل ذلك.. 
 
منذ عقود طويلة والمصريون يبحثون فى سبب هذه التحولات.. عشرات المفكرين والكتاب وعلماء الاجتماع وصفوا وشرحوا أسباب هذه التغيرات المتلاحقة. بعضهم أشار إلى أنها بدأت منذ الخمسينيات مع ثورة يوليو التى مكنت الفقراء من حقوقهم على حساب الأغنياء وما نتج عنه من اضطراب اجتماعى للعديد من الطبقات الميسورة والغنية فى هذا الوقت خاصة بعد انتشار الفكر الاشتراكى.. والبعض أرجعها لمرحلة الانفتاح فى السبعينيات وما صنعته من تخبط اجتماعى بين ما أطلق عليه ثقافة الغوغاء وثقافة الصفوة, وآخرون قالوا إن أهم أسبابها فتح أبواب الهجرة لدول الخليج ودخول أفكار جديدة وضعف الانتماء.. وبعضهم ألصقها فى الرأسمالية الغاشمة التى عشناها منذ أواخر التسعينيات.. على أى حال التغيرات العنيفة التى شهدها هذه المجتمع تتحمل كل هذه الأسباب وأكثر.. وإن كنت أتصور أن هناك عوامل مباشرة قد تكون من الأسباب الرئيسية لحالة القسوة التى نعيشها الآن.. صفات من المفترض أن تكون فى الإنسان حتى يعيش بشكل أفضل ويتقبل من حوله بأريحية ورحابة صدر.. منها مثلا «الرضا» فنحن نادرا ما نشعر بالرضا عن أحوالنا أو أولادنا أو شوارعنا أو أرزاقنا ومع هذا الشعور الدائم بالتذمر نادرا ما نبذل مجهودا لتغيير أحوالنا، ونكتفى بالتباكى واليأس والتشاؤم وتبادل الطاقة السلبية والتفنن فى تشويه كل شىء لنا أو حولنا.. وأيضا الفضيلة, هذه الكلمة اختفت فجأة من معجمنا اللغوى واستبدلنا بها هذا رجل غنى أو هذه سيدة ذات نفوذ أو هذه أسرة من أصحاب الأملاك.. كنا نتباهى قديما بالأخلاق الآن نتباهى بالأملاك ونسينا تماما أن قيمة الأخلاق والفضائل أعلى بكثير من قيمة المال حتى إن كلامى هذا قد يدعو البعض للسخرية ولكنها حقيقة لا نقاش فيها مهما تلاعب بعقولنا الزمان.. يجب أن نقتنع أن الأخلاق أهم من المال وأن نتعامل على هذا الأساس لأن المجتمع تحول إلى سوق سوداء كل ما فيه يخضع لحسابات البيع والشراء.. وللحديث بقية.
 

إضافة تعليق




التعليقات 5

عدد الردود 0

بواسطة:

مصري مهتم بالبيئه

فعلأ قولك صحيح

شكرأ استاذنا الفاضل علي هذا المقال الرائع الجميل وأنت علي حق في كل ماتقوله وننتظر منك المزيد من أجل ما يدور من حولنا من أنانيه وخراب

عدد الردود 0

بواسطة:

بحب مصر

مقال فلة شمعة منورة والله

فعلا الناس بقت كئيبة لا تكل ولا تمل من الشكوى رغم ان اللي بيشتكوا هما اللي معاهم و عندهم والغلابة بيحمدوا ربنا

عدد الردود 0

بواسطة:

محمود عزت

هههههه

مش فاهم حضرتك الصراحة يعني الاخلاق هتأكلنا و تشربنا و تشغلنا و تدفعلنا الكهرباء ههههههه

عدد الردود 0

بواسطة:

لطفي السيد

المشكلة في الفقراء والجهل

إقرا الحوادث تجد معظمها من الفقراء قليل منهم يعمل ويجتهد دائما يريدون ولا يعملون دائما يبكون ولا يجتهدون نجد أكثرهم قليل الأدب وقليل منهم يحترم نفسة ونصيحتي هي اقامة مكتبة في كل حي فقير في مصر ويكون رئيس المكتبة انسان مثقف وليس جاهل وليس فقير

عدد الردود 0

بواسطة:

بركة

السبب غياب الفن الأصيل .. المدفون في مخازن ماسبيرو ..

مع تجاهل الدرر والكنوز ، اختفى من حياتنا الشعور بالجمال والراحة النفسية .. توقف السطحيون في ماسبيرو عن إذاعة القصائد التي كان يتغنى بها المتعلم والانسان البسيط .. توقفنا عن قول " الله " مع النغم الخالد للعملاق رياض السنباطي .. توارت الأعمال الدينية الخالدة " سلو قلبي .. ماشي بنور الله .. كل الناس بيقولوا يارب " التي كانت تغرس فينا الرضا والسماحة والإشراق فنتمنى الخير لكل الناس .. رغم حاجتنا لتحفيز الناس على العمل في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ مصر لكن السطحيين في ماسبيرو لايقدمون " طلعت حرب .. أو .. قوم بإيمان وبروح وضمير " عندما انطفأ هذا الجانب المشرق من حياتنا سادت بذاءات وبيارات مستنقع النت وزادت الأحقاد وغاب تذوق الجمال وساد القبح والتطاول وتدني الأخلاق بصورة يجب التخلص منها سريعا بإبعاد السطحيين من ماسبيرو وإعادة الدرر والكنوز لنشعر بإنسانيتنا ولتسود الأخلاق المتجذرة في مصر والمدونة على جدران المعابد قبل نزول الأديان .

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة