خالد صلاح

علاء عبد الهادى

يوميات مواطن مكدود

الأحد، 16 ديسمبر 2018 03:00 م

إضافة تعليق
 
على غير عادته، سمحا بشوشا، رأيته مهموما، متجهم الوجه، «شايل طاجن سته»، غزا البياض شعر رأسه فجأة وتركه بغير هندام.. سألت صديق العمر الذى لم ألتقه منذ فترة: خير مالك.. مريض لا سمح الله، شكلك كبرت «ميت سنة» بعد آخر مرة تقابلنا فيها.. فين ابتسامتك، وإقبالك على الحياة أم أننا حسدناك، كنت دائما أرى فيك الشخصية النموذجية الوسطية فى كل شىء: فى الفرح والحزن وحتى فى نصيبك من ابتلاءات الدنيا.
 
ما إن انتهيت من كلامى لهذا الصديق حتى انفجر وكأننى ضغط على دمل ممتلئ، وأصبح فى انتظار أن يفرغ ما فيه.. أخرج سيجارة وأشعلها، وسحب نفسا عميقا وقال: يبدو أن دوام الحال من المحال؟
 
فيه إيه قلقتنى عليك.. المدام والأولاد بخير، وبعدين إنت رجعت للسجائر؟
 
قال الصديق: تعرف أسرتى، وتعرف أننى ابن أسرة متوسطة وبكل فخر، وابن رجل تعليم ومربى أجيال، قضى حياته يعلم ويربى، حتى لقى وجه ربه، وعلى نفس طريقه سرت، استثمرت كل ما أملك فى تعليم وتربية أولادى، «قرشى على قرشى زوجتى» لتعليم الأولاد أحسن تعليم، لن أترك لهم أموالا أو عقارات، الإرث الحقيقى من وجهة نظرى هو حسن التربية وحسن التعليم.
 
التقط زميلى أنفاسا  متعاقبة أشعلت نار سيجارته، وراح يكمل: ورغم إغراءات طبيعة الوظيفة، لم أضعف يوما، ولم أستجب لهمزات الشيطان، ورضيت بالرزق الحلال، وقلت لنفسى: ليس بالضرورة يكون عندى شاليه فى الساحل أو فى العين السخنة لكى أكون سعيدا، كنت، أسعد إنسان، وأنا أقضى مع أسرتى عدة أيام فى أى مصيف «على قدنا» لم يحزننى أننى لم أشتر لأى من أولادى شقة فى أى كمبوند للآن رغم أن اثنين منهم فى سن الزواج، ولم أجد فى نفسى حسرة وإعلانات هذه «الكمبوندات» تطاردنا ليل نهار فى الفضائيات وكأن المليون مجرد مائة جنيه، كنت مثلى مثل كل أبناء الطبقة التى كانت متوسطة نقضى حياة وسطية، راضين قانعين.. كنت أجنب عدة جنيهات، أو أى حافز يأتى من هنا أو هناك لكى أذهب أنا وأسرتى لتناول العشاء فى مطعم مرة، وساعات مرتين فى الشهر حسب الرزق، وساعات لما تكون الأمور ميسرة كنا نذهب بعدها إلى سينما أو مسرحية، وأحد الأولاد يشترى كتابا أو مجلة، و«يشبط» ابنى الأصغر فى لعبة، فلا مانع، كل الأمور كانت مقبولة وماشية ومستورة.
 
نفس جديد أكثر عمقا كان مصحوبا بمحاولات لمغالبة دموع- وآه من دموع الرجال- وبعد أن نجح الصديق الممرور فى قهر دموعه، والسيطرة على صوته المتهدج، أضاف: كل ما حكيته لك وكنت تحسدنى عليه أصبح فى خبر كان.. ومنذ تعويم الجنيه وأنا غرقت ولا أستطيع مواجهة التيار.. يكفى أن أقول لك ببساطة، وأنت تعلم أننى قبل التعويم كان أولادى الثلاثة فى التعليم، اثنان منهما فى جامعتين خاصتين، والثالث فى مدرسة خاصة، وكانت عجلة الدنيا تسير، صعبة لكنها تدور، الآن كادت أن تتوقف عن المسير، ورغم أن اثنين من الأبناء قد تخرجا وبقى ابن وحيد فى التعليم، لا أستطيع أن أعيش، تعرفنى، لا يوجد فى حياتى بنود رفاهية، وبدأت أعيد جدولة دخلى ومصروفاتى، وحاولت أن أتخلى عن ما يمكن اعتباره كماليات قلت بلاش تدخين، وتوقفت لفترة، قلت بلاش الذهاب للمطعم، وأقنعنا نفسنا أن اللمة حول أكل أم العيال فى البيت تساوى كنوز الدنيا، وتخلينا أيضا عن الذهاب من آن إلى آخر للسينما، وقلنا إن أفلام «اليومين دول» لا تليق بالذوق العام، ولا تستحق الجنيهات التى ندفعها لها.. أيام المصيف أصبحت تحتاج إلى قرض حسن.
 
يكمل صديق العمر المهزوم: فجأة أصبحت عاجزا أمام أولادى، أتردد فى الخروج بالسيارة البسيطة التى نمتلكها فمن أين لى بمصاريف بنزينها، وصيانتها، وأصبحت أكثر عجزا أمام محصلى فواتير الغاز والكهرباء والماء، وأكثر انهزاما أمام طلبات أصغر أبنائى، وهو ذاهب إلى «السنتر» لكى يدفع مصاريف الدرس للمدرس الذى قام بزيادة رسومه أكثر من %50 فى آخر عامين «وإذا كان عاجبك» لم أجد شيئا قد يكون فيه رفاهية إلا وتخليت عنه أنا والمدام التى اكتفت بما لديها من ملابس ولم تعد تشترى الجديد، وقامت بتدوير ما لديها «المهم نستر الأولاد».
 
عرفت ليه أنا غابت عنى الابتسامة؟ عرفت ليه أنا شبت فى الشهور الأخيرة؟ لأنى وبحكم وظيفتى من المفترض أن أكون من أبناء الطبقة المتوسطة، وأتصرف أنا وأبنائى على أساس سلوكياتها من حيث الدخل والإنفاق، ولكن يؤسفنى أن أقول لك أن حالى «اتدحدر» وأصبحت فقيرا وبكل فخر، ولا أخجل أن أقول لك إننى الآن أنتظر صرف بطاقة التموين، ولم نعد نشترى كتابا واحدا، أو مجلة أو صحيفة.. «منين؟».
 
أنا راض بنصيبى فى الدنيا ولكن ماذا عن أبنائى الذين تتحدث الدنيا حولهم بلغة الملايين، ويسمعون أسعار شقق بعدة ملايين، وأبوهم الرجل المثقف، والوجيه اجتماعيا، الذى يعتقد الناس أنه «ياما هنا وياما هناك» لا يجد ما يكمل به الشهر؟
 
قال لى صديقى الممرور: أنا عارف أن البلد بتقوم على رجلها والمشاريع القومية ما شاء الله فى كل مكان، وبكره بإذن الله الحال حيتعدل..ولكن إذا كنت بتحبنى وصل صوتى للريس وقول له ياريس خلى بالك من الطبقة المتوسطة هى اللى بتحمى، وهى اللى بيظهر فيها أى استثمار، قول له ياريس ما ينفعش حد فى عصرك يقع من طبقة للطبقة اللى تحتها، لا الغنى أوى هو اللى حيبنى البلد ويحميها، ولا الفقير المعدم ابن العشوائيات، ولكن صمام الأمان الحقيقى لمشروعك ياريس هو فى تأمين الطبقة المتوسطة!
 
انتهى كلام الصديق.

 


إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة