خالد صلاح

خالد ناجح

بتاح حتب.. ونصائحة للمصريين

الإثنين، 26 نوفمبر 2018 08:00 م

إضافة تعليق
الضمير.. «مجموعة من المبادئ الأخلاقية التى تسيطر أو تتحكم فى أعمال الشخص وأفكاره، وهو يشمل الإحساس الداخلى بكل ما هو صحيح أو خاطئ فى سلوك الشخص أو دوافعه، وهو ما يدفعه للقيام بالعمل الصحيح، وهو إحساس أخلاقى داخلى عند الإنسان، تُبنى عليه تصرفاته، ويحدد الضمير درجة نزاهة وأمانة الإنسان، وشعوره بالسلام الداخلى نتيجة نقاء ضميره».
 
أما جيمس هنرى برستد «James Henry Breasted» «من 27 أغسطس 1865 إلى 2 ديسمبر 1935»، فهو عالم آثار ومؤرخ أمريكى من أشهر علماء الآثار والمصريات، له العديد من المؤلفات والاكتشافات الأثرية المصرية، وكتابه الأكثر شهرة على الإطلاق هو كتاب «فجر الضمير» الذى أثبت فيه بالأدلة التاريخية والأثرية المؤكدة أن الحضارة المصرية القديمة هى مهد الأخلاق والقيم والحضارة ومنبعها الذى انتشرت منه إلى مختلف بقاع العالم.
 
وفى عام 1934 قدم جيمس هنرى برستد «الذى لا يعرفه كثير من المصريين رغم معرفته العميقة هو بهم» واحدة من أهم وأعظم وأقيم الدراسات العلمية عن الأخلاق والضمير الإنسانى.. أثبت فيها أن المصريين القدماء لم يخلّفوا وراءهم مجرد تماثيل وأهرامات ومعابد وإمبراطوريات انتقلت من ضفاف النيل لتعيش باقى أيامها فى صفحات التاريخ، لكنهم تركوا للعالم كله ما هو أهم وأبقى، فقد اخترعوا الضمير والفضيلة والأخلاق.
 
بالفعل.. ابتكرنا نحن المصريين أول دستور أخلاقى فى التاريخ وأول معايير واضحة للفضيلة والقيم والسلوك، وبهذا الدستور وهذه المعايير تأسست الدولة المصرية الأولى.. وعاشت.. وازدهرت.
 
وماذا الآن؟.. هل ظللنا على نهج جدودنا محافظين على دستورنا الأخلاقى؟.. أم وصلنا إلى تدنٍ أخلاقى ونحن أمة تتميز بجذورها الضاربة عبر التاريخ وطوعت الجغرافيا لخدمتها؟
فى عام 2400 ق.م. قدم بتاح حتب نصيحة من نصوص تعاليم الحكمة قال فيها:
«إذا كنت رجلاً ذا شأن فأسس لنفسك أسرة وأحب زوجتك فى المنزل كما يجب، وأشبعها واكسها واستر عليها، وكن بلسما يداوى ويريح أطرافها، وأدخل السعادة إلى قلبها بطول حياتها، فهى حقل طيب لسيدها».
 
إذ كانت الزوجة فى مصر القديمة، تلقب باسم «سيدة البيت» أو «ست الدار»، كما كان يطلق عليها لقب «محبوبة زوجها»، وكان مركز المرأة عندهم أرقى من مركزها عند كثير من الأمم فى هذه الأيام، وفى ذلك يقول ماكس ملر: «ليس ثمة شعب قديم أو حديث قد رفع منزلة المرأة مثلما رفعها سكان وادى النيل»، فالنقوش تصور النساء يأكلن ويشربن بين الناس، ويقضين ما يحتجنه من المهام فى الشوارع من غير رقيب عليهن ولا سلاح بأيديهن، ويمارسن الأعمال الصناعية والتجارية بكامل حريتهن، وكان النساء يمتلكن ويورثن، كما تشهد بذلك وثيقة من أقدم الوثائق فى التاريخ، وهى وصية من عهد الأسرة الثالثة توصى فيها السيدة «نب سنت» بأرضها لأبنائها، وقد ارتقت حتشبسوت وكليوباترا عرش مصر.
 
والسؤال مازال مطروحا، والإجابة عنه تبدو صعبة وعسيرة، والبحث عن علاج للأمراض الاجتماعية التى أصابت المصريين فى السنوات الأخيرة تحتاج إلى تشخيص ثم وضع علاج لهذا المرض أو هذه الأمراض.
 
فما نراه فى الشارع من مشاهد مؤلمة وموجعة وشاهدة على التدنى والتراجع فى السلوك والطباع والأخلاق العامة، حوادث القتل اليومى لأتفه الأسباب التى نقرأ ونسمع عنها يوميا، الغش الجماعى واعتماد «الفهلوة» أسلوب حياة وفساد الضمير فى العمل، وفى تأدية الواجب، أفرز ظواهر غريبة أو جديدة على المجتمع المصرى، حتى وصلنا لمرحلة غاية فى الخطورة فى علاقات المجتمع بعضه ببعض، ولماذا انتشرت قيم سلبية بين كثير من المصريين بشتى طبقاتهم أولها وأخطرها استخدامهم ألفاظا سوقية دون أدنى حد للاحترام فى كلامهم اليومى العادى؟.. وما سبب نشر ثقافة الهجاء والسباب ورفع الحواجز بين المرؤوس ورئيسه؟.. هذا غير انتشار البلطجة.
 
هناك من يقول إن الحقبة الينايرية كموجة عاتية وما تبعها كانت ولاتزال نقطة تحول فارقة أصابت المجتمع المصرى فى كُنه شخصيته المصرية، وفجرت كُمون أخلاقياته فكانت بمثابة اهتزازة عنيفة واسعة السعة، وعملية تقليب أحدثت انقلاباً قيمياً جمعياً للقيم التى صاغت وسبكت سلوكيات المصريين وحددت نقاط ارتكاز ملامح الشخصية المصرية التى أصيبت بالوهن والتشوه الأخلاقى والسلوكى، فتحللت قيم مصرية أصيلة كالشهامة والكرم، وحلت محلها قيم بعضها ولد من رحم اللحظة الدامية الاضطرابية وبعضها توارى داخل الأزقة والحارات والدروب الأحيائية المتعرجة فترة طويلة، قبل أن تظهر على السطح تفوح منها روائح العطب، مجسدة كل صور الانفلات الأخلاقى، من تحرش ورشوة وبلطجة.
 
هذه الأحداث وما بعدما أظهرت أسوأ ما فى المجتمع المصرى من سلوكيات اتسمت بالفوضى واللاعقلانية وعدم الانضباط وغياب مفهوم «العيب»، ما أثر على العلاقات داخل الأسرة وداخل معاهد التعليم فى المدارس والجامعات، هذا بالطبع انعكس على الشارع المصرى ووصل الأمر إلى دور العبادة والمنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعى «فيس بوك» و«تويتر»، لافتا إلى أن فى جميعها ساءت الأخلاق فى النقاشات ووسائل النقد والحوار، كل ما كان يعترض طريق من يسمون أنفسهم شباب الثورة كان يلقى منهم السباب، كما فقد الحوار عقلانيته مع اعتلاء الإخوان سدة الحكم وتأسيس قاعدة «من ليس معنا فهو ضدنا».. لتكال له كل الاتهامات الممكنة، وبالتالى يرد عليها باتهامات أقذع منها، تأكيدا على انتشار البلطجة الثقافية والسلوكية بسبب الفهم الخاطئ للحرية واستخدامها أسوأ استخدام.
 
أيضا هناك غياب أو فشل فى خمس مؤسسات اجتماعية، وهى الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسة الدينية والمؤسسة الأمنية القضائية، فغياب المحاسبة والمساءلة يؤدى إلى هروب المجرم والفاسد بجريمته، فكثيرا ما نسمع عن مظلومين ردت مظالمهم بعد موتهم أو بعدما فقدت المظلمة معناها، غياب العدالة الرادعة السريعة من أسباب تدهور الأخلاق فى مصر، خاصة أن القضايا فى المحاكم المصرية تظل سنوات دون حسم.
 
وأؤكد وأقول إن مسألة الأخلاق ستعود إلى المجتمع المصرى إذا تمت تقوية المؤسسات الاجتماعية الخمس، وعملت جميعا فى تناغم على ضبط السلوك المصرى.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة